فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 8133

216 -قوله:(أو مكَّة)وإنَّما عرَّفَ(المدينةَ)باللَّامِ دونَ مكَّةَ؛ لأنَّها علمٌ، و(مدينة)اسمُ جنسٍ، فجيءَ باللَّامِ ليكونَ معهودًا عنْ مدينةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

فإن قلتَ: ابنُ عبَّاسٍ كانَ عندَ هجرتِهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ منْ مكَّةَ ابنَ ثلاثِ سنينَ، فكيفَ ضبطَ ما وقعَ بمكَّةَ؟

قلتُ: إمَّا لأنَّهُ وقعَ بعدَ مراجعتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ إلى مكَّةَ سنةَ الفتحِ أو سنةَ الحجِّ، وإمَّا أنَّه سمعَ منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ ذلكَ، وإمَّا أنَّهُ منْ مراسيلِ الصَّحابةِ.

قوله: (بلى كان) فإن قلتَ: لفظُ: (بلى) مختصٌّ بإيجابِ النَّفيِ، فمعناهُ: بلى

ص 120

إنَّهما يعذَّبانِ في كبيرٍ، فما وجهُ التَّوفيقِ بينَهُ وبينَ قولِهِ: وما يعذَّبانِ في كبيرٍ؟

أجيب: بأنَّ المعنى ليسَ بكبيرٍ عندكم، لكنَّهُ عندَ اللهِ تعالى كبيرٌ، لقولِهِ تعالى: {تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ} [النُّور:15] ، ولعلَّ المشيَ بالنَّميمةِ إنَّما كانَ كبيرةً باعتبارِ الاستمرارِ المستفادِ من (كان) الَّتي للحالِ المستمرَّةِ غالبًا.

وقيلَ: المرادُ بالكبيرِ معناهُ اللُّغويُّ، إمَّا يعذَّبانِ في أمرٍ كانَ يكبرُ ويشقُّ عليهما الاحترازُ عنهُ إذْ لا مشقَّةَ في الاستتارِ من البولِ وتركِ النَّميمةِ، ولمْ يَرِدْ أنَّها غيرُ كبيرةٍ في أمرِ الدِّينِ كلِّهِ؛ كذا في «الكرمانيِّ» .

وقالَ القسطلانيُّ: ويحتملُ أنَّهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظنَّ أنَّهُ غيرُ كبيرٍ، فأوحى إليهِ في الحالِ بأنَّهُ كبيرٌ، فاستدركَ.

وعندَ ابنِ حبَّانَ في «صحيحِهِ» من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: يعذَّبانِ عذابًا شديدًا في ذنبٍ.

ومعنى: (لا يستتر) لا يجعلُ بينَهُ وبينَ البولِ سترةً؛ أي: لا يتحفَّظُ فيهِ، وهو معنى رواية: لا يستترهُ.

يسترُ معناهُ يكشفُ عورتَهُ؛ لأنَّ مجرَّدَ كشفِ العورةِ ليسَ سببًا للعذابِ.

أقولُ: يؤيِّدُهُ قولُ ابنِ بطَّالٍ: معناهُ: لا يسترُ جَسَدَهُ ولا ثيابَهُ عن مماسَّةِ البولِ.

وفي روايةِ ابنِ عساكرَ: (لا يستبري) بموحَّدةٍ ساكنةٍ منَ الاستبراءِ؛ أي: لا يستفرغُ جسدَهُ بعدَ فراغِهِ منهُ.

وفي «الكرمانيِّ» : قالَ في «شرحِ السُّنَّةِ» : وفي الحديثِ وجوبُ الاستتارِ؛ أي: عن الاختفاءِ عنْ أعينِ النَّاسِ عندَ القضاءِ، وفي روايةٍ: (لا يستنزه) بالزَّاءِ، وسببُ كونِهِ كبيرًا أنَّ عدمَ التَّنزُّهِ منَ البولِ يلزمُ بطلانَ الصَّلاةِ، وتركها كبيرةٌ.

قوله: (بالنَّميمة) أي: نقلُ كلامِ النَّاسِ بعضهم إلى بعضٍ على جهةِ الإفسادِ.

قالَ القسطلانيُّ: وهي حرامٌ بالإجماعِ إذا قصدَ بهِ الإفسادَ بينَ المسلمينَ، فأمَّا ما اقتضى فعلَ مصلحةٍ أو تركَ مفسدةٍ؛ فهو مطلوبٌ، انتهى.

قوله: (بجريدة) أي: السعفة الَّتي جُرِّدَ عنها الخوصُ؛ أي: الغصنُ من النَّخلِ بدونِ الورقِ.

و (الكسرة) بكسرِ الكافِ القطعةُ من الشَّيءِ.

قوله: (لعلَّه) بمعنى: عسى، ومن ثمَّةَ أتى في خبرِهِ أنَّ والهاءَ في (لعلَّه) ضميرُ الشَّأنِ، وجاءَ تفسيرُهُ بـ (أن) وصلتَهَا؛ لأنَّها في حكمِ الجملةِ لاشتمالِهَا على مسنَدٍ ومسندٍ إليهِ.

وقيلَ: أنَّ (أن) زائدةٌ.

قوله: (ما لم تيبسا) بفتحِ الموحَّدةِ وكسرِهَا لغةٌ، والضَّميرُ فيهِ راجعٌ إلى (الكِسرتينِ) ، قيلَ: إنَّهُ محمولٌ على أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ سألَ الشَّفاعةَ لها.

فأجيبت بالتَّخفيفِ عنهما إلى أن ييبسا، وقيلَ: لكونِهِمَا يسبِّحانِ ما داما رطبينِ.

ومعنى قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:44] ؛ وإنْ منْ شيءٍ حيٍّ، وحياةُ الخشب ما لم ييبسْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت