فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 8133

110 -قوله: (ولا تكنُّوا) منَ التَّفعيلِ، وفي بعضها: من الافتعالِ، واختُلِفَ في هذهِ المسألةِ، فقيلَ: لا يحلُّ التَّكنِّي بـ (أبي القاسم) لأحدٍ مطلقًا، سواءً كانَ اسمُهُ محمَّدًا أو أحمدًا، أو لمْ يكنْ، وقيلَ: يُباحُ مطلقًا؛ لأنَّ النَّهيَ مخصوصٌ في زمنِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

وقالَ ابنُ جريرٍ: إنَّما كانَ النَّهيُ للتَّنزيهِ والأدبِ لا للتَّحريمِ، وقيلَ: النَّهيُ مخصوصٌ من اسمُهُ محمًّدًا أو أحمدًا، وقيلَ: يُنهى بـ (القاسم) ؛ لئلَّا يُكنَّى أبوه بأبي القاسمِ.

وقيلَ: أنَّ التَّسميةَ بمحمَّدٍ ممنوعةٌ مطلقًا، سواءً كانَ لهُ كنيةً أو لا.

(فقد رآني) فليستبشرْ، فإنَّهُ قدْ رآني، قالَ القاضي الباقلَّانيُّ: معناهُ: رؤياهُ صحيحةٌ ليستْ بأضغاثِ أحلامٍ ولا منْ تشبيهاتِ الشَّيطانِ، وقدْ يراهُ الرَّائي على خلافِ صفتِهِ المعروفةِ كمن يراهُ أبيضَ اللِّحيةِ، وقدْ يراهُ شخصًا في زمانٍ واحدٍ: أحدهما في المشرقِ، والآخرُ في المغربِ، ويراهُ كلٌّ منهما في مكانِهِ.

وقيلَ: بلِ الحديثُ على ظاهرِهِ، وليسَ لمانعٍ أنْ يمنعَهُ، فإنَّ العقلَ لا يحيلُهُ حتَّى يضطرَّ إلى التَّأويلِ.

وأمَّا قوله: (فإنَّه قد يرى) على خلافِ صفتِهِ، أو في مكانينِ، فإنَّهُ تغيُّرٌ في صفاتِهِ

ص 86

لا في ذاتِهِ، فتكونُ ذاتُهُ مرئيَّةٌ وصفاتُهُ متخيَّلةٌ، والمرئيَّةُ أمرٌ يخلقها اللهُ تعالى في الحيِّ لا يُشترَطُ فيها المواجهةُ لا تحديقُ الأبصارِ، ولا كونُ المرئيِّ ظاهرًا، بلِ الشَّرطُ كونُهُ موجودًا فقطْ حتَّى جازَ رؤيةُ أعمى الطَّريقةِ أندلس.

ولمْ يقمْ دليلٌ على فناءِ جسمِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بلْ جاءَ في الحديثِ ما يقتضي بقاءَهُ.

وقالَ أبو حامدٍ الغزاليُّ: ليسَ معناهُ أنَّهُ رأى جسميَ وبدنيَ، بلْ رأى مثالًا صارَ ذلكَ المثالُ آلةً يتأدَّى بها المعنى الَّذي في نفسي إليهِ، بلِ البدنُ في اليقظةِ أيضًا، ليس إلَّا آلةَ النَّفسِ، فالحقُّ أنَّ ما يراهُ مثالُ حقيقةِ روحِهِ المقدَّسةِ الَّتي هي محلُّ النُّبوَّةِ، فما رآهُ منَ المشكلِ ليسَ هوَ روحُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ ولا شخصُهُ، بلْ هوَ مثالٌ لهُ على التَّحقيقِ.

أقولُ: فلهُ ثلاثُ توجيهاتٍ، وخيرُ الأمورِ أوسطُهَا؛ كذا في «الكرمانيِّ» ، ويجيءُ باقي بيانِهِ في كتابِ التَّعبيرِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

قوله: (الشَّيطان) إمَّا مشتقٌّ من (شاط) أي: هلكَ، فهو فعلانُ، أو من (شطن) ؛ أي: بَعُدَ فهو، فيقالُ: والمرادُ إمَّا إبليسُ شخصُهُ ونوعُهُ.

قوله: (لا يتمثَّل) أي: لا يتصوَّرُ بصورتي، ومنعَ الشَّيطانَ أنْ يتصوَّرَ في خلقِهِ؛ لئلَّا يكذِبَ عليَّ لسانُهُ في النَّومِ كما استحالَ أنْ يتصوَّرَ في صورتِهِ في اليقظةِ، وكذلكَ لا يتمثَّلُ بجميعِ الأنبياءِ والملائكةِ عليهم السَّلامُ.

فإن قلتَ: إذا قلنا أنَّه رآهُ حقيقةً؛ فمنْ رآهُ في المنامِ هلْ يُطلَقُ عليهِ الصَّحابيُّ أمْ لا؟

قلتُ: لا، إذ الصَّحابيُّ منْ يراهُ الرُّؤيةُ المعهودةُ الجاريةُ على العادةِ، أو الرُّؤيةُ في حياتِهِ في الدُّنيا لا في القبرِ، على أنَّا لو التزمنا إطلاقَ لفظِ الصَّحابيِّ عليهِ؛ لجازَ، وهذا أحسنُ وأولى، ثمَّ الحديثُ المسموعُ عنهُ في المنامِ ليسَ بحجَّةٍ، إذِ الشَّرطُ في الاستدلالِ بهِ أنْ يكونَ الرَّاوي ضابطًا عندَ السَّماعِ، والنَّومُ ليسَ حالُ الضَّبطِ، كذا في «الكرمانيِّ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت