1 -قوله: (الحُمَيْدِيُّ) مصغَّر، و (وَقَّاص) بتشديد القاف.
قوله: (سَمِعتُ عُمَر) أي: سمعت كلامه حال كونه على المنبر حال كونه قال.
قوله: (بالنيَّات) جمع (نيَّة) بالتشديد، مِن نوى ينوي: قصد، وأصله: نوية قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، أو بالتخفيف مِن دنى يدني [1] ؛ أي: أبطأ وتأخَّر؛ لأنَّ النيَّة يحتاج في تصحيحها إلى إبطاءٍ، كذا في «الزركشيِّ» الباء للمصاحبة، ويحتمل أن يكون للسَّببيَّة، بمعنى أنَّها مقوِّمةٌ للعمل، فكأنَّها سببُ في إيجاده، وعلى الأوَّل فهي مِن نفس العمل فيشترط ألَّا يخلف عن أوَّله.
والنيَّة عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض جلب نفعٍ، أو دفع ضُرٍّ حالًا أو مآلًا، والشرع خصَّصه بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل لابتغاء رضى الله تعالى، وامتثال حكمه، والنيَّة في الحديث محمولةٌ على المعنى اللغويِّ، ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه إلى مَن كانت هجرته إلى كذا وكذا، فإنَّه تفصيلٌ لِمَا أجمله.
واعلم أنَّ المراد
ص 19
بالأعمال جميعها، فإنَّ الفرق بين جمع القلَّة والكثرة إنَّما هو في النَّكرات لا في المعارف.
والعملُ يتناول القول [2] ؛ لكونه عمل اللسان، واعتُرِضَ عليه بأنَّ مَن حلف لا يعمل عملًا فقال قولًا؛ لا يحنث، وأجيب: بأنَّ مرجع اليمين إلى العرف، والقول لا يسمَّى فيه عملًا، والتحقيق: أنَّ القول لا يدخل في العمل حقيقةً، بل مجازًا، وأمَّا الترك المجرَّد؛ فلا يتناوله العمل، بخلاف الترك الذي هو كفُّ النفس، وفعلها فإنَّه يتناول العمل، ويحتاج إلى النيَّة في حصول الثواب، فمن لم تخطر [3] المعصية بباله أصلًا فتركها، ليس كَمَن خطرت فكفَّ نفسه عنها خوفًا مِنَ الله تعالى، فالمحتاج إلى النيَّة هو العمل بجميع أقسامه الثلاثة، والنيَّة وإن كانت على القلب، لا يتناولها الحديث دفعًا للتسلسل.
وفي «القسطلانيِّ» : وأمَّا معرفة الله تعالى فلو توقَّفت على النيَّة، والنيَّة قصد المنويِّ بالقلب؛ لزم أن يكون عارفًا بالله تعالى قبل معرفته وهو محالٌ، ثمَّ تقدير الكلام: ألا ما الأعمال الشرعيَّة صحيحةٌ أو كاملةٌ إلَّا بالنيَّة؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام بُعِثَ لبيان الشرع، وقد تقرَّر أن لا يتوجَّه إلى أن أعيان، فالمراد نفي أحكامها، كالصِّحَّة والكمال، قال في «الفتح» : قيل: النيَّة إنَّما تشترط في العبادة التي لا تتميَّز لنفسها، وأمَّا ما يتميَّز بنفسه فإنَّه يتصرَّف بصورته إلى ما وضع له، كالأذكار والأدعية والتلاوة، لأنَّها لا تتردَّد [4] بين العبادة والعادة، ولا يخفى أنَّ ذلك إنَّما هو بالنَّظر إلى أصل الوضع، أمَّا ما حدث فيه عُرفٌ، كالتسبيح للتعجُّب؛ فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القُربة إلى الله تعالى؛ لكان أكثر ثوابًا، ومِن ثمَّ قال الغزاليُّ رحمه الله تعالى: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يحصل الثواب؛ لأنَّه خير مِن حركة اللسان بالغيبة، بل هو خيرٌ مِنَ السكوت مطلقًا؛ أي: المجرَّد عن التفكُّر، قال: وإنَّما هو ناقصٌ بالنسبة إلى عمل القلب، انتهى.
قوله في «الفَيْض» [5] : ثمَّ النيَّة في جميع العبادات معتبرة بالقلب، فلا يكفي [6] النطق مع غفلة القلب، ولا يضرُّ مخالفة اللسان القلبَ.
واختلف في التلفُّظ بعد الاتِّفاق، على أنَّه لم يشرع لأحدٍ الجهر لا للإمام ولا للمأموم ولا للمنفرد؛ فقيل: يستحبُّ، وهو المنقول عن أصحاب أبي حنيفة والشافعيِّ رحمهما الله تعالى، وقيل: حرامٌ؛ إذ لم ينقل عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم وأصحابه والتابعين، وثبت أنَّه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم إذا قام إلى الصلاة كبَّر؛ أي: مِن غير تخلُّل بشيء بين الإقامة والتكبير، وسأل أبو داود عن البخاريِّ: أتقول قبل التكبير شيئًا؟ فقال: لا، والإتباع كما يكون في الفعل كذلك يكون في الترك، فمن واظب على فعل ما تركه الشارع، فهو مبتدعٌ، والمداومة عليه حرامٌ.
قوله: (هِجْرَتُه) الهجرة: الترك، والمراد ههنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل.
قوله: (إلى دُنْيَا) متعلِّق بـ (الهجرة) إن كان لفظ (كانت) تامَّة، أو خبر لـ (كانت) إن كانت ناقصة، و (الدُّنْيا) في الأصل وصف مِنَ الدنوِّ، موصوفها محذوفٌ؛ أي: الحياة الدنيا، ثمَّ جعلت اسمًا بدليل قلب الواو ياءً؛ لأنَّه لا يجوز القلب إلَّا في الاسميَّة.
واختلف في حقيقتها؛ فقيل: ما على الأرض مِنَ الهوى والجوِّ، وقيل: كلُّ المخلوقات الجواهر والأعراض، والأوَّل أولى،
ص 20
لكن يراد منه ممَّا قبل قيام الساعة، ويطلق على كلِّ جزءٍ منها مجازًا.
قوله: (إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه) إمَّا أن يكون خبر (فهجرته) .
فإن قلت: المبتدأ والخبر متَّحدان، فما الفائدة في الإخبار؟
قلت: لا اتِّحاد؛ إذ الخبر محذوفٌ، وهو فلا ثواب له عند الله تعالى، والمذكور مستلزمٌ له دالٌّ عليه، أو فهي هجرةٌ قبيحةٌ خسيسةٌ؛ لأنَّ المبتدأ والخبر، وكذا الشرط والجزاء إذا اتَّحدا صورةً، يعلم منه التعظيم والتحقير، قالوا: إنَّما جاء هذا الحديث في رجلٍ كان يخطب امرأةً بمكَّة، فهاجرت إلى المدينة، فتبعها الرجلُ رغبةً في نكاحها، فسُمِّي بمهاجر [7] أمِّ قيس، ونقل أبو جعفر بن جريرٍ الطبريُّ عن جمهور السلف: أنَّ الاعتبار بالابتداء، فإن كانت الهجرة في الابتداء لله تعالى خالصةُ؛ لم يضرُّه ما عرض له بعد ذلك مِن إعجاب وغيره، كذا في «القسطلانيِّ» في (باب مَن هاجر) في (كتاب النكاح) .
فإن قيل: قد رُوِيَ عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم أنَّه قال: «مَن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها؛ كُتب له واحدة، ومن عملها كتب له عشر» وروي أيضًا أنَّه قال: «نيَّة المؤمن خيرٌ مِن عمله» فالنيَّة في الحديث الأوَّل دونَ العمل، وفي الثاني فوق العمل.
قلنا: يحتمل أن يقال: إنَّ المراد أنَّ النيَّة خيرٌ مِن عملٍ بلا نيَّةٍ؛ إذ لو كان المراد خيرٌ مِن عمل مع النيَّة يلزم أن يكون الشيء خيرًا مِن نفسه مع غيره، أو أنَّ نيَّة المؤمن خيرٌ مِن عمل الكافر، لِما قيل، وَرَد ذلك حين نوى مسلمٌ بناء قنطرةٍ فسبق كافرٌ إليه، وقيل: معنى نيَّة المرء خيرٌ مِن عمله: أنَّ العبد يخلَّد في الجنَّة؛ لكونه ناويًا أن يطيع الله تعالى أبدًا لو بقي أبدًا، وقيل: إنَّ الجزء الذي هو النيَّة خيرٌ مِن الجزء الذي هو العمل، لاستحالة دخول الرياء فيها، وقيل: إنَّ كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنيَّة أحد الأقسام الثلاثة وأرجحها؛ لأنَّها قد تكون عبادةً مستقلَّة، وغيرها يحتاج إليها.
ثمَّ اختلفوا في نيَّة السيِّئة [8] ، والمشهور أنَّها لا يعاقب عليها؛ لقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] فإنَّ الاكتساب لا بدَّ فيه مِنَ التصرُّف والمعالجة.
[1] في الأصل: (بدني) .
[2] (يتناول القول) : تكرر في الأصل.
[3] في الأصل: (يخطر) .
[4] في الأصل: (يتردد) .
[5] في الأصل: (العيض) .
[6] في الأصل: (تكفي) .
[7] في الأصل: (بهاجر) .
[8] في هامش الأصل: (اختلفوا في نية السيئة) .