7 -قوله: (إِنَّ هِرَقِلَ) بكسر الهاء وفتح الراء مع كسر القاف، غير منصرفٍ للعلميَّة والعجمة، هو مَلِك الروم، ولقبه قيصر، وكذا كل مَن مَلَك الروم يلقَّب قيصر، كما يلقَّب مَلِك الفرس كسرى، والترك خاقان، والحبشة النجاشيَّ، والقبط فرعون، ومصر العزيز، والحمير تبَّع، واليونان بطليموس، والبربر جالوت، والصابئة نمرود، وهرقل أوَّل مَن ضرب الدنانير وأحدث البيعة.
قوله: (فِي رَكْبٍ) حال مِن ضمير (إليه) أي: أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة ركب، روي أنَّهم كانوا ثلاثين رجلًا.
قوله: (مِنْ قُرَيْش) صفة (رَكْبٍ) ، و (مِن) لبيان الجنس أو للتبعيض، و (قريش) ولد النضر بن كنانة عند الجمهور، قيل: هو مِنَ القرش؛ وهو الكسب والجمع، لتكسُّبهم أو لتجمُّعهم بعد التفرُّق، وقيل: سمُّوا باسم دابَّة في البحر أقوى، تأكل ولا تُؤكل، وتعلو ولا تعلى، والفصيح في قريش الصرف.
قوله: (وَكانُوا تُجَّارًا) بضمِّ التاء وتشديد الجيم، أو كسرها وتخفيف الجيم، جمع (تاجر) والجملة حال بتقدير (قد) .
قوله: (بِالشَّأْمِ) هو ديار الأنبياء، دخله نبيُّنا صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم مرَّتين قبل النبوَّة، مرَّةً مع عمِّه أبي طالب، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، ومرَّة للتجارة وهو ابن خمس وعشرين سنة، ومرَّتين بعد النبوَّة؛ مرَّةً ليلة الإسراء، ومرَّة في غزوة تبوك، و (بالشام) متعلِّق بـ (تجَّارًا) ، أو بـ (كانوا) أو خبر بعد خبر.
قوله: (مادَّ) بتشديد الدال، يقال: مادَّ الغريمان؛ إذا اتَّفقا على أجل الدين، وضربا له زمانًا، وهو مِنَ المدَّة، وهي مدَّة الصلح بالحديبية
ص 29
سنة سِتٍّ مِنَ الهجرة على وضع الحرب عشر سنين على الأصحِّ، وقيل: أربع سنين، ثمَّ نقض أهل مكَّة الصلح بقتالهم خزاعة حلفاؤه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، فغزاهم سنة ثمانٍ وفتح مكَّة.
قوله: (فَأَتَوه) الفاء فصيحة؛ أي: أرسل إليه في طلب إتيان الركب، فجاء الرسول فطلب إتيانهم فأتوه.
قوله: (وَهُمْ) أي: هرقل وجماعة، وفي بعضها: (وهو) .
قوله: (بإِيلِياءَ) بكسر الهمزة واللام ومدِّ الياء الثانية، وقد يقصر أيضًا، قيل: معناه: بيت الله والمراد: بيت المقدس.
قوله: (في مَجْلِسه) حال مِن ضمير (دعا) لا صلته، لأنَّه يتعدَّى بـ (إلى) ، لا بـ (في) ، ويجوز أن يكون (في) بمعنى (إلى) .
قوله: (ثمَّ دَعَاهُم) عطف على (فدعاهم) ، يعني: جاؤوا أوَّلًا خارج محلِّ جلوسه؛ كما هو المعهود فيمَن يحض أبواب السلاطين، يجلس خارج محلِّ جلوسهم حتَّى يطلبوه، فلمَّا دعاهم حضروا في مجلسه، وسلَّموا وقاموا بعيدًا منه متأدِّبين زمانًا، ثمَّ دعاهم ليقربوا منه، كما هو شأن ملوك العجم.
قوله: (تَرْجُمَانَه) وروي ، و فالباء زائدة، لأنَّ (دعا) متعدٍّ بنفسه، و (التَّرجُمان) بفتح التاء وضمِّ الجيم، ويجوز ضمُّ التاء اتِّباعًا، ويجوز فتحها، هو الذي يبيِّن الكلام ويفسِّره، ولا يُشتَرط فيه اختلاف اللغتين.
قوله: (فَقَال: أيُّكُم) الفاء أيضًا فصيحة؛ أي: فقال للترجمان: قال: أيُّكم ... إلى آخره.
قوله: (أَدْنُوه منِّي) بقطع الهمزة المفتوحة.
قوله: (ظَهْرَه) لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه في التكذيب إن كَذب.
قوله: (قُلْ لَهُم) أي: لأصحاب أبي سفيان: (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) أي: أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) ؛ أي: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.
قوله: (فإِن كَذَبَنِي) بتخفيف الذال، (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذال، ومِنَ الغرائب أنَّ المخفَّف يتعدَّى إلى واحدٍ.
قوله: (مِنْ أَنْ يَأْثروا) بضمِّ الثاء وكسرها، يقال: أثر الحديث؛ إذا رواه [1] ، والمعنى: لولا الحياء مِن أنَّ رفقتي يروون عنِّي كذبًا، فأعاب به لأنَّه قبيح، وإن كان على العدوِّ.
قوله: (فَكَذَبْتُ عَنْه) أي: عليه، وهذا مِن تعارض الحرفين، فإن (أثر) يتعدَّى بـ (عن) و (كذب) بـ (على) .
قوله: (أوَّل ما سَأَلَنِي أَنْ جَعَلَ) (ما) نكرة بمعنى شيء كان، (أوَّلَ) منصوب على الخبريَّة، لأنَّ (أن قال) مؤوَّلٌ بمصدر معرفة، بل قيل في حكم الضمير، وإن جعلت [ (ما) ] موصولة جاز أن يكون (أوَّل) مرفوعًا ومنصوبًا، لكنَّ المختار نصبه على الخبريَّة، وبه جاءت الرواية؛ لكون (أن قال) أعرف منه.
قوله: (كَيْفَ نَسَبُه؟) أي: ما حال نسبه؟ أهو مِن أشرافكم أم لا؟.
قوله: (ذُو نَسَبٍ) أي: عظيم.
قوله: (مِنْ مَلِكٍ) الأشهر أنَّ (مِن) جارَّةٌ، ويروى: (من) موصولة، و (مَلِك) فعل.
قوله: (بَلْ ضُعَفَاءَهُم) وهذا محمولٌ على الأكثر الأغلب، فلا يرد مثل العمرين وأمثالهما، ممَّن أسلم قبل هذا السؤال، رضي الله تعالى عنهم.
قوله: (سخْطَةً) بفتح السين وضمِّها، بمعنى الكراهة وعدم الرضا، منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ له، أو حالٌ بتأويل (ساخطًا) واحترز به عمَّن ارتدَّ مكرهًا، أو لحظٍّ نفسانيٍّ؛ كما وقع لعبيد الله بن جحش.
قوله: (يَعْذِر) بكسر الذال؛ أي: ينقض العهد.
قوله: (كِلْمَةً) والمراد بـ (الكلمة) : الجملة.
قوله: (سِجَال) بكسر السين، جمع (سجل) وهو الدلو الكبير، أراد به النوب؛ أي: الحرب بيننا وبينه نوب، نوبة لنا ونوبة له؛ كـ (المستقين) يسقي أحدهما دلوًا، والآخر دلوًا، و (الحرب) اسم جنسٍ، فيجوز أن يقع خبره جمعًا.
قوله: (يَنَالُ مِنَّا) أي: يصيب منَّا ونصيب منه، الجملة تفسير لـ (سجال) ، و (العَفاف) بفتح العين؛ أي: الكفُّ عن المحارم.
قوله: (يَأْتَسِي) بهمزة ساكنة
ص 30
بعدها مثنَّاة فوقيَّة مفتوحة وسين مهملةٌ مكسورة؛ أي: يتَّبع ويقتدي، ويروى مِن (باب التفعُّل) .
قوله: (لِيَذَرَ) بلام الجحود.
قوله: (هُمْ أَتْباعُ الرُّسُل) لأنَّ الأشراف يمنعهم عن الانقياد جاهُهم.
قوله: (وكَذَلِكَ الإيمان) أي: أمر الإيمان؛ فإنَّه لا يزال في زيادةٍ حتَّى يتمَّ بالأمور المعتبرة فيه.
قوله: (بَشَاشَةَ القُلوب) بنصب (بشاشة) مضافًا إلى (القلوب) ، وحينئذٍ فاعل (يُخالِطُ) ضمير عائد إلى (الإيمان) ، و (البشاشة) مصدر (بشَّ) ؛ إذا انشرح وسرَّ.
قوله: (وسَألْتُكُمْ بِمَ يَأمُرُكُم) قيل: الأولى أن يجعل (الباء) بمعنى (عن) متعلَّقة بـ (سأل) و (ما) موصولة، والعائد محذوفَّ؛ لأنَّ إثبات الألف مع (ما) الاستفهاميَّة بعد دخول الجارِّ قليلٌ.
فإن قلت: (أمر) يتعدَّى بالباء إلى المفعول الثاني، فالعائد حينئذٍ مجرورٌ بغير ماجُرَّ به الموصول معنًى، فيمتنع حذفه.
قلت: قد يستعمل بغير حرف الجرِّ؛ نحو: أمرتك الخير، وفيه: أنَّ استعماله بغير حرف الجرِّ، وكذا جعل (الباء) بمعنى (عن) أيضًا قليلٌ، فلا وجه للأولويَّة، فليتأمَّل.
قوله: (ويَنْهاكُم عَن عِبادَةِ الأَوْثان) هذا لازمٌ مِن قول أبي سفيان: (وَحْدَهُ ولا تُشْرِكوا) و (الأوثان) جمع (وَثَن) وهو الصنم.
واعلم أنَّ السؤال كان مِن أحد عشر وجهًا، والمعاد في الجواب تسعة، وترك السؤال عن القتال وكيفيَّته؛ لأنَّهما ليسا مِن أمارات النبوَّة الظاهرة، والمقصود بيانها.
قوله: (كُنْتُ أَعْلَمُ أنَّه خارِجٌ) أي: مِن علم النجوم، أو مِنَ الكتب القديمة.
قوله: (أنَّه مِنكُم) أي: مِن قريش.
قوله: (أَخْلُصُ) بضمِّ اللام؛ أي: أصل.
(لَتَجَشَّمتُ) بالجيم والشين المعجمة؛ أي: تكلَّفت الوصول إليه، ولكنِّي أخاف اللوم على نفسي، واستفاد ذلك بالتجربة؛ كما في قصَّة ضغاطر الذي أظهر لهم الإسلام؛ فقتلوه.
قوله: (لَغَسَلْتُ عَن قَدَمَيه ما) لعلَّة يكون عليهما، وهذا مبالغة في العبوديَّة له والخدمة.
قوله: (ثُمَّ دَعا بِكِتاب رَسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم) مفعول (دعا) محذوف؛ أي: مَن وكَّل ذلك إليه (دحْية) بكسر الدال وفتحها وسكون الحاء، بعثه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى هرقل، وذلك في آخر سنة ستٍّ، بعد أن رجع مِنَ الحديبية، وكان وصوله إلى هرقل في المحرَّم سنة سبع.
قوله: (عَظِيمِ الرُّوم) ولم يصفه بالإمارة والمُلك؛ لأنَّه معزول عنها بحكم الإسلام، بدل مِن (هرقل) ، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص.
قوله: (عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى) لم يقل عليك؛ لأنَّ الكافر لا سلامة له.
قوله: (بِدِعايَة الإِسْلَام) بكسر الدال المهملة؛ أي: بدعوته، والمراد: كلمة الشهادة التي يُدعى بها الأمم للدخول في الإسلام، فهي شعاره، وقد يقام المصدر مقام الاسم، ويحتمل أن يكون المصدر بمعنى (المفعول) ، و (الباء) بمعنى (إلى) ، والإضافة من قبيل: (شجر الأراك) .
قوله: (يُؤتِكَ) جواب ثانٍ للأمر.
قوله: (مَرَّتَين) أي: لإيمانك بعيسى، وإيمانك بي بعده
قوله: (فَإِن تَوَلَّيتَ) أي: أعرضت عن الإسلام.
قوله: (اليَريسين) جمع (يريس) على وزن (كريم) ، وفي رواية: (الأريسين) بقلب الياء همزة، وفي أخرى (اليريسيِّن) بتشديد الياء بعد السين، جمع (يريسيٍّ) والرابع (الأريسيِّين) جمع (يريسي)
ص 31
بقلبِ الياءِ همزةً، ورُوِيَ: (الإرِّيسيِّينَ) بكسرِ الهمزةِ وكسر الرَّاءِ المشدَّدةِ، وَيَاءٍ واحدةٍ بعدَ السِّينِ، المرادُ بهِ: الأكَّارون وَالحرَّاثون، وَقيل: الحرمُ وَالحَولُ، وَلا يعَارضُ هذا قولُه تعالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] ؛ لأنَّ الوزرَ _الإثم_ لا يتحمَّله غيرُه، وَلكنَّ الفاعلَ المتسبِّبَ وَالمتلبِّسَ بالسَّيِّئاتِ يتحمَّلُ منْ جهتينِ؛ جهةُ فعلِه وَجهة تسبُّبِه.
قولُه: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] ؛ أي: لزمتْكُم الحجَّةُ فاعترفوا بأنَّا مسلمونَ دونَكم.
قوله: (فَلَمَّا قَالَ) أي: هرقلُ مَا قال منَ السُّؤالِ وَالجوابِ.
قوله: (الصَّخَب) بالصَّادِ المهملةِ وَالخاءِ المعجمةِ المفتوحتين؛ هوَ اختلاطُ الأصواتِ في المخَاطبة.
قوله: (أَمِرَ) بفتحِ الهمزةِ وَكسرِ الميمِ؛ أي: كَبُرَ وعَظُمَ.
وَ (أَبُو كبْشَةَ) رَجلٌ منْ خزاعةَ، كانَ يعبد الشِّعرى، وَترك عبَادة الأوثانِ، وَلم يوافقه أَحدًا منَ العَربِ عليهِ، فشبَّهوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ بهِ، وَجَعَلُوهُ ابنًا له؛ لمخالفتِه إيَّاهم في دينِهِم كمَا خالفهُم أبو كبشة.
وقيلَ: أبوهُ منَ الرَّضاعةِ، وقيلَ: عمُّ جدِّ حليمةَ، وَإنَّما قالوهُ تحقيرًا لهُ نسبةً إلى غيرِ أبيهِ.
قوله: (إنَّهُ يَخَافُهُ) بكسرِ الهمزةِ استنافًا تعليليًّا.
قوله: (ملك بني الأصفر) همُ الرُّومُ، نُسِبُوا إلى الأصفر بن الرُّومِ بن عيصو بن إسحاقَ بن إبراهيمَ عليهما السَّلام.
قوله: (وَكانَ ابنُ النَّاطورِ) بالطَّاءِ المهملةِ أو المعجمةِ؛ حَارسُ البستانِ وَحَافظهُ، وَالواو في (وكانَ) عَاطفة، وَالتَّقدير: عَن الزُّهريِّ: أخبرنِي عبيدُ اللهِ ... إلى آخرِه، ثمَّ قالَ ابنُ الزُّهريِّ: وكانَ ابنُ النَّاطورِ يحدِّثُ، وَهذهِ القصَّة موصُولةٌ إلى ابنِ النَّاطورِ، لا معلَّقةٌ كما توهَّمَ، ومرويَّةٌ عن الزُّهريِّ لا عن أبي سفيانَ كما ظنَّ.
قوله: (إيليا) بكسرِ الهمزةِ واللَّامِ والمدِّ على الأشهرِ.
و (هرقل) مجرورٌ بالفتحِ عطفٌ على (إيليا) .
وَ (صَاحب) استُعمِلَ في معنيينِ مَجازيٌّ وَحقيقيٌّ، لا بالنِّسبةِ إلى إيليا بمعنى الأميرِ والحاكمِ، وَذلك مجَازٌ بالنِّسبةِ إلى هرقلَ، بمعنى التَّابعِ، وذلكَ حقيقةٌ.
وقالَ العينيُّ: فيهِ حذفٌ، والتَّقديرُ: صاحبُ إيليا وصاحبُ هرقلَ، والأوَّلُ مجازٌ، والثَّاني حقيقةٌ، وصاحبُ إيليا منصوبٌ على الاختصاصِ، أو مرفوعٌ على الصِّفةِ، وخبرُ مبتدأ محذوف.
قوله: (سُقفًا) بضمِّ السِّينِ والقافِ وَتشديدِ الفاءِ، منصوبٌ على أنَّه خبر.
(كان أُسقفًا) بضمِّ الهمزةِ وسكونِ السِّينِ وضمِّ القافِ وَتخفيفِ الفاءِ مَعَ تشديدهَا.
(أيضم) وَهوَ اسمٌ سريانيٌّ، معناهُ: رئيسُ علماءِ النَّصَارَى، ورُوِيَ: (أسقف) على صيغة المجهُول منَ التَّفعيلِ؛ أي: اجعلْ أسقفًا، وَهوَ منصوبٌ على أنَّهُ خبرُ كانَ.
و (يحدث) خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو على أنَّهُ حالٌ (يحدِّث) خبرُ كانَ.
قوله: (حين قدم إيليا من حمص) عندَ غلبةِ جنودِهِ على جنودِ فارسَ وَإخراجهم، وكانَ ذلكَ في السَّنةِ الَّتي اعتمرَ فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلهِ وسلَّم عمرةَ الحديبيةِ، وبلغَ المسلمينَ نصرةَ الرُّومِ على فارسٍ ففرحوا.
قوله: (خبيث النَّفس) أي: مهمومًا.
و (البَطارقة) بفتحِ الموحَّدةِ: جمعُ (بطريقٍ) بكسرِها، وَهوَ خواصُّ دولةِ الرُّومِ وَأهلُ الرَّأيِ وَالشُّورى.
قوله: (استنكرنا) أي: أنكرنَا، ورأيناهَا مخالفةً لسائرِ الأيَّامِ.
قوله: (وكان هرقل) عطفٌ على مقدَّرةٍ، تقديرُه: وكانَ هرقلُ عالمًا، و (كانَ) جزاء، فلمَّا حذفَ المعطوفَ عليهِ؛ أظهرَ هرقلَ في المعطوفِ
ص 32
قوله: (حَزَّاء) بفتحِ المهملةِ وتشديدِ الزَّاء وَبالمدِّ؛ أي: كاهنًا.
قوله: (ينظرُ في النُّجومِ) خبرٌ ثانٍ لـ (كانَ) ، أو تفسيرٌ للأوَّلِ، فإنَّ الكهَانةَ تارةً تستندُ إلى إلقاءِ الشَّياطينِ، وتارةً إلى أحكامِ النُّجومِ.
فإنْ قيلَ: كيفَ ساغَ للبخاريِّ إيرادُ هذا الخبرِ المشعرِ بتقويةِ قولِ المنجِّمينَ وَالاعتمادِ عَلَيه؟
أجيبُ: بأنَّه لمْ يقصدْ ذلكَ، بلْ قصدَ أنْ يبيِّنَ أنَّ البشاراتِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ جَاءتْ منْ كلِّ طريقٍ، وعلى كلِّ لسانٍ من كاهنٍ أو منجِّمٍ بحقٍّ أو مبطلٍ.
قوله: (فقالَ لَهُم) أي: قالَ هرقلُ لبعضِ بطارقتِه.
قوله: (حينَ نظرتُ في النُّجومِ) أي: رَصَدتُ تقاويمَ السَّيَّارةِ وتأمَّلتُ تأثيرَها على أهلِ الأرضِ، فظهرَ أنَّ سلطنةَ الدُّنيا انتقلَ من سائرِ السَّلاطينِ وتستقرُّ على قومٍ مخصوصٍ، وعلامتُهُم أنَّهم يختتنونَ.
قوله: (ملكَ الختانِ) بضمِّ الميمِ وإسكانِ اللَّامِ.
ورُوِيَ بفتح الميم وكسر اللَّام.
و (الختان) بكسرِ الخاءِ اسمٌ من الختنِ، وهوَ قطعُ الجلدةِ الَّتي تواري الحشفةَ.
قوله: (قد ظهرَ) أي: بلاء أو غلبَ.
قوله: (من هذهِ الأمَّةِ) أي: أهلُ هذا العصرِ.
قوله: (فلا يُهمَّنَّك) بضمِّ الياءِ، يقالُ: أهمَّنِيَ الأمرُ؛ أي: أقلقتي وَأحزنني، والمراد: أنَّ هؤلاءِ أحقرُ من أن يبالَى بهمْ.
قوله: (على أمرهِم) أي: مشورتِهم الَّتِي كانوا فيها.
قوله: (أُتِيَ) بصيغةِ المجهُولِ، جوابُ: (بينا) أي: بينَ أوقاتِ كونهم على أمرهم؛ أُتِيَ هرقلُ.
قوله: (ملك غسَّان) هوَ صَاحبُ بصرى.
و (غسَّان) بفتحِ الغينِ المعجمةِ والسِّينِ المهملةِ المشدَّدةِ اسمُ ماءٍ نزلَ عليهِ قومٌ منَ الأزدِ فنُسِبُوا إليهِ، وقيلَ: اسمُ قبيلةٍ.
قوله: (هذا ملكُ هذهِ الأمَّةِ) (هذا) مبتدأ خبرُه محذوفٌ؛ أي: هَذا هُو الَّذي رأيته حينَ نظرتُ في النُّجومِ، و (ملك) بضمِّ الميمِ وَسكونِ اللَّامِ مبتدأ خبرهُ: (قد ظهرَ) .
ورُوِيَ: (مَلِك) بفتحِ الميمِ وكسرِ اللَّامِ، فيكونُ (هذا) إشارةً إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ مبتدأ، وخبرُه: (ملكُ هذهِ الأمَّةِ) أي: العَرب، أو أهلُ العَصْرِ.
وقوله: (قد ظهر) خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو حالٌ، وَالعَاملُ فيهَا معنى الإشارةِ.
ورُوِيَ: (يملك) على صيغةِ المضارعِ، فإن كانَ بمعنى الحالِ؛ فالمناسبُ أن يرادَ بهذهِ الأمَّةِ العربُ، وإن كانَ بمعنى الاستقبالِ؛ فأهلُ العصرِ.
قوله: (إلى صاحب له) يقالُ: هو ضغاطر الأسقفُ الرُّوميُّ.
قوله: (برومية) بضمِّ الرَّاءِ وتخفيفِ الياءِ، وهيَ مدينةٌ معروفةٌ للرُّومِ.
قوله: (أي حِمْص) بكسرِ الحاءِ وسكونِ الميمِ، بلدٌ معروفٌ بالشَّامِ، يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، فعلى التَّذكيرِ يُصرَف؛ لأنَّه ساكنُ الوسطِ، كنوحٍ، وعلى التَّأنيثِ لا يُصرَفُ للعلميَّةِ والتَّأنيثِ مع العجمةِ.
قوله: (فلم يَرِم) بفتحِ الياءِ وكسرِ الرَّاءِ؛ أي: لمْ يفارقْ، وَلا يكادُ يُستعمَلُ إلَّا بحرفِ النَّفيِ.
قوله: (على خروجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ) أي: ظهوره.
و (أنَّه) بفتحِ الهمزةِ عطف على (خروج) .
قوله: (فأذن) على وزنِ (سَمِعَ) .
ورُوِيَ بالمدِّ بمعنى: اعلمْ.
و (سكرة) بفتحِ المهملةِ الأولى وسكونِ الثَّانيةِ؛ القصرُ الَّذي حولَه بيوتٌ، والباءُ في (بحمصَ) بمعنى (في) .
قوله: (ثمَّ اطَّلع وكأنَّه دخل القصر، ثمَّ أغلقها، وفتح أبواب البيوت الَّتي حوله، وأذن للرُّوم في دخولها، ثمَّ أغلقها، ثمَّ اطَّلع) أي: خرجَ من الحجابِ، وظهرَ
ص 33
عليهم منْ علوٍّ خشيةَ أنْ يثبتوا به كما وثبوا بضغاطر، فإنَّه رُوِيَ أنَّ هرقلَ أرسلَ دحيةَ إلى صاحبِه ضغاطرَ الرُّوميَّ، وقالَ: إنَّه في الرُّومِ أجوزُ قولًا منِّي، وإنَّ ضغاطر المذكورَ أظهرَ إسلامَهُ وَخرجَ على الرُّومِ فَدَعَاهُم إلى الإسلامِ، فقاموا إليه فضربُوه حتَّى قتلوه، فلمَّا رجعَ دحيةُ إلى هرقلَ؛ قالَ لهُ هرقلُ: قدْ علمتُ لكَ أنَّا نخافُهم على أنفسِنَا، فضغاطرَ كانَ أعظمُ عندَهم منِّي.
قوله: (هل لكم) أي: هلْ لكُمْ رغبةً.
وَ (الفلاح) الفوزُ وَالنَّجاةُ.
و (الرُّشد) بضمِّ الرَّاءِ وَسكونِ الشِّينِ، وَبفتحهَا خلافُ الفيءِ.
قوله: (وأن يثبتَ) عطفٌ على الفلاحِ.
قوله: (فتبايعوا) منَ التَّبايع منَ البيعةِ، منصوبٌ لأنَّه جوابُ الاستفهامِ، وفي بعضها: (فبايعوا) بصيغةِ الأمرِ من المبالغةِ، وفي بَعضِهَا: (فتَبايعوا) بمثناتين ثمَّ موحَّدةٍ من المتابعةِ، وهي الاقتدَاء، وفي بعضهَا: (فنتابع) بنونٍ ومَوحَّدةٍ.
قوله: (فحاصوا) بمهملتينِ؛ أي: نفرُّوا.
قوله: (وأيس) وَفي بعضها: (يئس) بتقديمِ الياءِ، والأوَّلُ مقلوبُ الثَّاني؛ أي: قنطَ.
قوله: (آنفًا) بالمدِّ وَالقصرِ، والمدُّ أشهرُ حال؛ أي: قريبًا، أو ظرف؛ أي: هذه السَّاعة.
قوله: (اختبر) أي: امتحنَ، جملةٌ حاليَّةٌ.
و (شدَّتكم) أي: رسوخُكم في دينِكم.
قوله: (آخر شأن هرقل) بالنَّصبِ خبرُ كانَ؛ أي: فيما يتعلَّقُ بهذِه القصَّةِ المتعلِّقةِ بدعايتِه إلى الإيمانِ خاصَّةً؛ لأنَّه انقضى أمرُه؟؟؟ وماتَ، أو أنَّه أطلقَ الأخريَّةَ بالنِّسبةِ إلى ما في علمِه، وهذا أوجهُ؛ لأنَّ هرقلَ قد وقعتْ لهُ قصصٌ أخرى بعدَ ذلكَ كمكاتبةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّم له ثانيًا، وإرسالُه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ بذهبٍ فقسمَه بينَ أصحابِه، واختُلِفَ في إيمانِ هرقلَ، وَالجمهورُ على أنَّه لا يُعَدُّ مسلمًا.
قوله: (قال محمَّد) أي: البخاريُّ.
(رواهُ صالح ويونس ومعمر عن الزُّهريِّ) أي: تابعَ هؤلاءِ الثَّلاثةِ شعيبًا، وفي روايةٍ هذا الحديثُ عن الزُّهريِّ.
واعلمْ أنَّ أحاديثَ الثَّلاثةِ عن المصنِّفِ عن غيرِ أبي اليمانِ، وأنَّ الزُّهريَّ إنَّما رواهُ لأصحابِه بسندٍ واحدٍ عن شيخ واحد، وَهو عبيدُ اللهِ بن عبدِ اللهِ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه؟؟؟؟
أنَّ أيضًا يحتملُ في روايتِه للثَّلاثةِ أن يروي عن غيرِ عبيدِ اللهِ عن عبدِ اللهِ، فإنَّ هذا توهُّمٌ فاسدٌ؛ لأنَّ أبا اليمانِ لم يلحقْ صالحَ بن كيسانَ، ولا سمعَ من يونسَ ولا؟؟؟؟
الزُّهريُّ لو رُوِيَ هذا الحديثُ لهؤلاءِ الثَّلاثةِ أو لبعضِهم عن شيخٍ آخرَ؛ لكانَ ذلك اختلافًا قد يُفضي إلى الاضطرابِ الموجبِ للضَّعفِ.
[1] في الأصل: (رأوه) .