المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فلو أجمع من جاء بعدهم على الأخذ بأحد القولين، لأدى ذلك إلى تعارض الإجماعين، وهو ممتنع [1] .
4 -أن موت المختلفين لا يسقط مذاهبهم، فهم من الأمة، وقولهم معتبر في حق من يأتي بعدهم، فإن"المذاهب لا تموت بموت أربابها"وهي من عبارات الشافعي الرشيقة، كما يقول الجويني [2] .
5 -أن الإجماع على أحد القولين من مجتهدي العصر التالي فيه تخطئة لمجتهدي العصر الأول فيما ذهبوا إليه، ويستحيل أن يجتمع الحق والمنع في أحد القولين [3] .
القول الثاني: ذهب الحنفية [4] ، والمالكية في قول [5] ، والصيرفي، والرازي من الشافعية [6] ، وأبو الخطاب من الحنابلة [7] ، والمعتزلة [8] ، إلى جواز ذلك، وأن الإجماع ينعقد، فلا تجوز مخالفته.
• أدلة هذا القول: قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [النساء: 115] .
• وجه الدلالة: أنه إجماع حدث بعد أن لم يكن، فيكون حجة، كما لو حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التدبر والتأمل [9] .
2 -أن القول الثاني قد صار قول كل الأمة؛ لأن أهل العصر الثاني صاروا كل الأمة، والحق لا يتعداهم، فيتعين أن قولهم هو الحق، وما عداه باطل [10] .
• الترجيح: يترجح لدي قول الجمهور في أن الإجماع على أحد القولين لا يرفع الخلاف المتقدم، وذلك لما يأتي:
1 -أن قول ناقل الإجماع مقابل بنقل من يثبت الخلاف، وناقل الإجماع نافٍ
(1) "العدة" (4/ 1108) ، و"الإحكام"للآمدي (1/ 337) .
(2) "البرهان" (1/ 455) ، وانظر:"شرح الكوكب المنير" (2/ 272) .
(3) "الإحكام" (1/ 338) .
(4) "أصول السرخسي" (1/ 319) ، و"كشف الأسرار" (3/ 367) ، و"تيسير التحرير" (3/ 232) .
(5) "شرح تنقيح الفصول" (ص 328) .
(6) "المحصول" (3/ 846) ، و"التبصرة" (ص 378) .
(7) "التمهيد" (3/ 297) ، و"روضة الناظر" (ص 143) ، و"شرح الكوكب المنير" (2/ 273) .
(8) "المعتمد"لأبي الحسين البصري (2/ 37) ، و"الإحكام"للآمدي (1/ 336) .
(9) "المحصول"للرازي (3/ 846) ، و"شرح مختصر الروضة" (3/ 95) ، (96) .
(10) "شرح تنقيح الفصول" (ص 328) .