وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه، ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار ويعلم أن المرتدين الذين فيهم من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم، وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم، وبهذا يتبين أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارًا؛ فإن المسلم الأصلي إذا إرتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة، وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق" [1] ."
ب - علل بعض أهل العلم ذلك بأن المرتد قد ذاق طعم الإيمان, بخلاف الأصلي، فجُعل حكمه أغلظ، قال الشوكاني:"ولا ريب أن ذنب المرتدّ أشدُّ من ذنب من هو باقٍ على الكفر؛ لأن المرتدّ قد عرف الحق، ثم أعرض عنادًا، وتمرُّدًا" [2] ، وهذا كما فرَّقت الشريعة بين الزاني المحصن من غير المحصن، فإن المحصن لما ذاق طعم الحلال وتمكَّن منه ثم عدل للحرام، جُعل له من الحكم ما هو أشد من الزاني غير المحصن [3] .النتيجة:لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.
• المراد بالمسألة: المرتد أو الزنديق إن تاب من ردته وزندقته ففي قبول توبته خلاف بين أهل العلم، وهذا الخلاف هو في قبول التوبة ظاهرًا، وإجراء أحكام أهل الإسلام عليه، كترك قتله.
أما أحكام الآخرة، فلا خلاف في أن اللَّه تعالى يقبل توبته إن صدق التوبة.
(1) مجموع الفتاوى (28/ 534 - 535) ، وانظر: الفتاوى الكبرى (3/ 550) .
(2) فتح القدير (1/ 359) .
(3) انظر: البحر الزخار (4/ 73) .