كما أنه إذا أجمع المؤمنون على أمر في قضية فمن شاقهم فقد خالفهم واتبع غير سبيلهم، وبذلك كان عرضة للوعيد المذكور في الآية [1] .
وقد نوقش هذا الاستدلال: بأن المراد من السبيل في قول اللَّه -تعالى-: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ليس هو الإجماع، بل يحتمل أن يكون المراد سبيلهم وطريقهم في متابعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو في مناصرته، أو في الاقتداء به، وإذا وجد الاحتمال في الدليل سقط به الاستدلال [2] .
وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه لو كان المراد من ما ذكره المعترضون، للزم أن تكون مخالفة سبيلهم هي عين المشاقة للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذلك يستلزم التكرار في الآية الكريمة، مع أن العطف يقتضي المغايرة. وإذا كان كلام العقلاء يصان عن التكرار بدون فائدة، فمن باب أولى كلام اللَّه تعالى [3] .
فإن قيل: إن الوعيد في الآية إنما في مخالفة سبيل المؤمنين مع مشاقة الرسول.
قلنا: هما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف للَّه، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بيَّنه الرسول، وهذا هو الصواب [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-:"لا يوجد قط مسألة مجمع عليها"
(1) البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني، دار الكتب العلمية، بيروت (1/ 435) .
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (1/ 286) ، وإرشاد الفحول (ص 74) ، وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (2/ 214) .
(3) ينظر: شرح القاضي عضد الملة لمختصر المنتهى الأصولي للإمام ابن الحاجب المالكي، المطبعة الكبرى الأميرية، طبعة 1317 هـ (2/ 20) ، والإحكام للآمدي (1/ 287) ، وإرشاد الفحول (ص 74) .
(4) يُنظر: معارج الوصول ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية (19/ 193) .