فهرس الكتاب

الصفحة 3671 من 8167

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [1] . وقول اللَّه -تعالى-: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [2] .

وأجيب عن ذلك: بما قاله القرطبي:"هذا استدلال سَاقِطٌ؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه" [3] .

كما استدلوا بحديث أسامة بن زيد -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:"يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يوم الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عليه، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! ما شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنت آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عن المُنْكَرِ وَآتِيهِ" [4] .

وربما استدلوا -أيضًا- من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره؟ ! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ ! وأجيب عن ذلك كله: بما قاله الغزالي:"كل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو: أن نقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم، والأنبياء - عليهم السلام- قد اختُلف في عصمتهم عن الخطايا" [5] .النتيجة:صحة الإجماع، ولا يُعتد بخلاف المبتدعة.

(1) سورة البقرة، الآية: (44) .

(2) سورة الصف، الآية: (3) .

(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/ 47) .

(4) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة (4/ 121) رقم (3267) ، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب: من يأمر بالمعروف ولا يفعله (4/ 2290) رقم (2989) .

(5) المرجع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت