وأما الحنفية فإنهم مع الجمهور في مسألة الباب وأنه لا يجب عليه إخراجها مرة أخرى للإمام لكن قالوا: يفتى فيما بينه وبين اللَّه تعالى بالأداء ثانية؛ لأن البغاة والخوارج لا ياخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال، ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة فينبغي لصاحب المال أن يؤدي ما وجب عليه للَّه تعالى [1] .
• دليل المخالف: استدل ابن حزم بوجوب إخراج الزكاة مرة أخرى بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بطاعة الإمام في العسر واليسر، وألا ينازع السلطان في سلطانه، كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه- قال:"دعانا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من اللَّه فيه برهان" [2] .
بل أمر بقتل من نازع أمر السلطان كما في صحيح مسلم من حديث عرفجة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: (إنه ستكون هنَات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان) [3] .
• وجه الدلالة: دلت الأحاديث السابقة أنه لا يحل لأحد أن ينازع السلطان في سلطانه، وأن المنازعين له في الملك أو الرياسة مريدون تفريق جماعة هذه الأمة، فهم عصاة، وحينئذٍ فكل حكم حكموه مما هو إلى الإمام، وكل زكاة قبضوها مما قبْضها إلى الإمام فهو باطل لا يصح؛ لأنه على غير أمر اللَّه تعالى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
(1) المبسوط (2/ 180) .
(2) صحيح البخاري (رقم: 6647) ، وصحيح مسلم (رقم: 1709) .
(3) مسلم (رقم: 1852) .