وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم، والبراءة منهم، وتفسيقهم" [1] ."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكل من كان باغيًا، أو ظالمًا، أو معتديًا، أو مرتكبًا ما هو ذنب، فهو قسمان: متأول، وغير متأول."
فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل، والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف، فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال اللَّه تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [2] .
وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام أنهما حكما في الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر، لم يكن بذلك ملومًا ولا مانعًا لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثما وظلمًا والإصرار عليه فسقًا، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا، فالبغي هو من هذا الباب.
أما إذا كان الباغي مجتهدًا ومتأولًا ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق، وإن كان مخطئًا في اعتقاده، لم تكن تسميته باغيًا موجبة لإثمه فضلًا عن أن توجب فسقه.
والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم، لا عقوبة لهم، ويقولون: إنهم باقون على العدالة لا يفسقون" [3] ."
(1) تفسير القرطبي (16/ 321 - 322) .
(2) سورة البقرة، آية (286) .
(3) مجموع الفتاوى (35/ 75 - 76) .