الدليل الثاني: أنه قضاء علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، حيث روي عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه شهد عنده رجل أعمى، فردَّ عليٌ -رضي اللَّه عنه- شهادته [1] .
• وجه الدلالة: أن عليًا -رضي اللَّه عنه- رد شهادة الأعمى، وهو من الخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهذا يُحتمل أن يكون في حد، ويؤيده رواية البيهقي بلفظ:"أن عليًا -رضي اللَّه عنه- رد شهادة أعمى في سرقة لم يجزها" [2] .
وإن كان في الحقوق فردُّها في الحدود هو من باب أولى لدرئها بالشبهات [3] .
الدليل الثالث: أن من شروط الشهادة أن يأتي بها الشاهد بلفظ الشهادة، أي:"أشهد"، فلو قالها بلفظ غير الشهادة، كـ"أعلم"أو"أتيقن"، ونحو ذلك لم يصح، ولفظ الشهادة يقتضي المعاينة والمشاهدة، وتخصيص الشهادة بهذا اللفظ يدل على شرطية المشاهدة، والأعمى فاقد لذلك، فلا تصح شهادته [4] .
الدليل الرابع: أن الأعمى إنما يعتمد في شهادته على تمييز الأصوات، وهذا محتمل للخطأ، فإن الأصوات قد تتشابه، وقد تُقلَّد، وتلك شبهة تدرأ بها الحدود [5] .
• المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين:
القول الأول: ظاهر كلام ابن حزم هو قبول شهادة الأعمى في الحدود إذا
(1) أخرجه مصنف ابن أبي شيبة (5/ 111) ، سنن البيهقي الكبرى (10/ 158) .
(2) أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" (10/ 158) .
(3) انظر: المبسوط (16/ 129) .
(4) انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 680) .
وهذا الجواب هو على مقتضى مذهب الأحناف من اشتراط لفظ الشهادة، وإلا فقد نازعه جمع من أهل العلم قال ابن القيم في"مدارج السالكين" (3/ 452) :"لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك. . . . فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه"، وقال الشوكاني في"نيل الأوطار" (8/ 339) قال:"بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول أشهد باللَّه".
(5) انظر: أحكام القرآن للجصاص (1/ 680) ، المبسوط (16/ 129) ، العناية شرح الهداية (7/ 366) .