فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 2536

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن السحر حقيقة، وأنه موجود بدليل قوله سبحانه في السحر والسحرة: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وغير ذلك من نصوص تتضمن وقوع السحر بالفعل، وخالف المعتزلة وأبو حنيفة في ذلك، وذهبوا إلى أنه لا وجود للسحر أصلا - وهو لا يعدو في طبيعته وحقيقته دائرة الخيال والتوهيم - واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام والسحرة لما ألقوا حبالهم وعصيهم: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وبذلك فإن السحر ضرب من التخيل الذي يراود تصور الإنسان.

على أن السحر من حيث الحكم الشرعي معدود من الكبائر التي نهى عنها الدين أشد النهي؛ لما في ذلك من توهيم للناس وحملهم على التصديق بقدرة البشر على اختلاف المعجزات أو ما يشبهها - وفي ذلك من التخليط والإلباس ما يوقع الناس في الحيرة والشك والزعزعة في العقيدة - وعلى ذلك فقد حذرت الشريعة من السحر والسحرة، وتوعدت من يتلبس بهذه الكبيرة بالعذاب الشديد - يبدو ذلك من حديث السبع الموبقات التي حذر منها النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي:"الشرك بالله والسحر - -"ويقول عليه الصلاة والسلام:"من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد."

وعلى هذا ذهب إلى تكفير الساحر طائفة من السلف - وقيل: بل لا يكفر، ولكن وحده ضرب عنقه؛ لما رواه أحمد والترمذي عن جندب الأزدي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:"حد الساحر ضربه بالسيف"وروى الشافعي وأحمد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة 86.

أما استعمال السحر فإنه يوجب العقاب عند بعض العلماء على الخلاف - فقد ذهب الإمامان مالك وأحمد إلى وجوب قتل الساحر الذي يستعمل السحر، وقد ثبت في حقه ذلك - وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله، واشترط الشافعي لذلك أن يقتل الساحر بسحره أحدا، فإذا لم يقتل أحدا فلا يجوز قتله - واشترط أبو حنيفة لقتله أن يتكرر منه القتل عن طريق السحر، أو أن يقر بالقتل فعلا 87.

وفي توبة السحر خلاف كذلك - فقد اتفق الأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد على عدم قبول التوبة من الساحر باعتباره كافرا - وذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه إلى قبول توبته إلا إذا ظهر منه ما يوجب الكفر.

أما العلم بالسحر دون استعماله؛ وذلك لتجنبه واتقائه فإنه جائز، وذلك الذي ذهب إليه بعض أهل العلم؛ استنادا إلى قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ومجرد العلم بالسحر لا يضر، بل ينفع، فإنه يمكّن العالم به من التفريق بينه وبين المعجزة؛ كيلا يخلط الناس بين الأمرين.

وقد رُد ذلك بأن تعلم السحر حرام، فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن مجرد التعلم قبيح عقلا، وهو كذلك حرام من الوجهة الشرعية، بل إن تعلم السحر من أجل استعماله كفر، وقالوا أن الاستدلال بتلك الآية ليس في هذا الموضع؛ لأن تلك إنما دلت على امتداح العالمين بأمور الشرع، وليس السحر من الشرع في شيء 88.

هذه خلاصة وجيزة في قضية السحر نكتفي بها على ما بيناه دون تفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت