فهرس الكتاب

الصفحة 1072 من 2536

وقيل: المراد انه ما كان المؤمنون لينفروا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني عصبة أو سرايا - فإذا رجعت السرايا وقد انزل الله بعدهم قرآنا تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم من بعدهم ويبعث سرايا أخرى وهو معنى قوله: {ليتفقهوا في الدين} أي ليتعلموا ما انزل الله على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم؛ فالآية هذه في البعوث والسرايا إذا لم يخرج الرسول عليه الصلاة والسلام بنفسه - فإذا لم يخرج وجب أن لا ينفر الناس كافة فيبقى النبي وحده - وإنما ينبغي أن تنفر طائفة وتبقى طائفة لتتفقه هذه الطائفة في الدين وتنذر النافرون إذا رجعوا إليهم 224.

على أن المستفاد من عموم هذه الآية أن لا ينفر المسلمون جميعا للقاء العدو ولا لطلب العلم؛ فكلا الغرضين هام وعظيم ومفروض، فلقاء العدو في نفير زاحف مستعد غاية الاستعداد لتدمير الظلم والظالمين، وصد الأشرار والمتربصين ودفع أذاهم عن المسلمين -لا محالة واجب - وإلا بات المسلمون عرضة للتدمير والاصطلام من عدوهم المتربص الماكر - ومن جهة الأخرى: فإن الخروج للتعلم والتزود بزاد العلم واجب كذلك إلى غير ذلك من جوه الأعمال والمشاغل والمصالح التي يحتاجا المسلمون - كالاضطلاع بوجائب الزراعة والصحة والتعمير - وبذلك يقتسم المسلمون أعمالهم وواجباتهم ليناط بكل واحد منهم من العمل ما يناسبه فيؤديه أتم أداء.

قوله: {فلولا نفر} لولا تحضيضه، والمراد به الأمر.

قوله: {لعلهم يحذرون} لكي يحذروا الله تعالى فيخشوا عقابه، ويعلموا لمرضاته، ويجتنبوا نواهيه ومخالفة أمره 225.

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} يأمر الله عباده المؤمنين في هذه الآية بقتال من يلي من عدوهم - وذلك لتعذر قتال كل المشركين دفعة واحدة؛ فتجب البداءة بقتال من يلي من المشركين على قتال من بعد منهم؛ أي أن المسلمين يقاتلون الكافرين الأقرب فالأقرب إليهم قربانا مكانيا؛ فيما ينبغي لهم أن يتجاوزا من يلونهم من الكافرين فيفجأهم الأقربون الذين يلونهم فيقضون عليهم ليقتلوا السناء والأطفال والمستضعفين، وليعيثوا في البلاد فسادا وخرابا.

ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فزغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن وخيبر وغير ذلك من الأقاليم في جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفوجا، شرع في قتال أهل الكتاب فتجهز لغزو الروم الذي هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة - وفي السنة العاشرة عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه، فقام بالأمر بعده خليفته الصديق (رضي الله عنه) فأركز قواعد الدين وثبته تثبيتا بعد أن كاد ينجفل 226 بمخازي المرتدين والمنافقين - وبعد أن رحل إلى الرفيق الأعلى وتولى من بعده الفاروق العظيم أبو حفص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قاتل المشركين الذين يلون المسلمون أولا بأول، الأقرب فالأقرب - وكذا صنع خلفه من بعده عثمان (رضي الله عنه) فقد كان شأنهم جميعا في قتال المشركين أن يقاتلوا الأقرب قبل الأبعد عملا بقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت