فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 2536

والذين كفروا هم الجاحدون لجلال الله المنكرون لأنعمه، وهم أصناف كثيرة من الظالمين الذين لا يرعون لله قدرا منهم المشركون والملحدون وأهل الكتاب وهم جميعا كافرون، وذلك لجحدهم وتكذيبهم لآيات الله وهي آيات بينات تنطق بالصدق والإعجاز ولا يمسها شيء من شك لكن الظالمين فريق من البشر الجاحد المستكبر الذي لا يصيخ لنداء الحكمة والعقل، فهؤلاء مكابرون لا يستمرئون غير التردد والفجور وغير التمرد المغتر اللجوج، إن هؤلاء الناس هم (أصحاب النار هم فيها خالدون (فهم يجحدوهم ولجوجهم وتمردهم أجدر أن يكونوا أصحاب النار - وصاحب الشيء أو المكان هو الذي يظل مستديم الإقبال عليه والثواء إليه في صحبة مقترنة متشاذة لا تعرف الهجران أو المبارحة، وهكذا يكون الكافرون المكذبون بآيات الله فهم أصحاب النار في ديمومة لا تنقطع، وفي اصطلاء حارق لا يعرف الفتور لكي يذوقوا وبال أمرهم جزاء ما اجترحوه من تمرد على الله وفسوق عن أمره.

قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم وإياي فارهبون وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (إسرائيل اسم عجمي لا يقبل الصرف ومعناه عبد الله، وهو مرادف ليعقوب النبي عليه السلام، والله جلت قدرته يخاطب في هذه الآية اليهود وهم بنو إسرائيل ومن نسله وذلك لعبثهم في الأرض تخريبا وإفسادا على ما سوف نبين إن شاء الله يدعو الله هؤلاء اليهود أن يذكروا نعمته التي امتن بها عليهم، والذكر يكون بالقلب، كيلا ينسى، وباللسان كي يظل رطيبا بالشكران.

أما نعم الله التي أنعمها على بني إسرائيل فهي كثيرة وعظيمة لا نحسب أن أمة من الأمم قد أتيح لها مثل هذه النعم، ومن أنعم الله على بني إسرائيل أن جعل لهم في البحر طريقا يبسا يمشون فيه إلى أن كتب لهم الخلاص والنجاة من فرعون وجنوده الذين غشيهم من الإغراق في اليم ما غشيهم، وكذلك قد فجر الله لهم من الحجر الصلد، ماء دافقا يستقون منه جميعا بعد أن ضربه موسى بعصاه، ثم أنعم الله عليهم بالمن والسلوى وذان طعامان جيدان مهيئان يأكل منهما اليهود من غير أن يبذلوا عناء أو مشقة، ثم أظلهم الله بالغمام ليذرأ عنهم حر الشمس في الصحراء الممتدة التي لا يعمرها نبات ولا ظل، وكذلك قد أنعم الله على بني إسرائيل إذ بعت فيهم نبيين كثيرين، وجعلهم ملوكا وأعطاهم من الخيرات ما لم يعط أحدا غيرهم، ومن أجل ذلك فإن الله يذكرهم بقوله: (اذكروا نعمتي) .

ومن لطيف القول أن يدرك المتدبر هذه المفارقة وهو يتلو تذكير الله سبحانه لأمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (فاذكروني أذكركم (فهو لم يقل كما قال لبني إسرائيل (اذكروا نعمتي (لما في ذلك من تذكير بالخير والنعمة ليخلصوا من بعد ذلك إلى ذكر الخالق سبحانه، وفي التذكير بالنعمة ما يشير إلى كثرة المنن التي أفاض الله بها على بني إسرائيل، وفيه كذلك مخاطبة الله لأمة الإسلام جاءت لتهتف بالقلوب والأذهان جميعا من أجل أن تتذكر جلال الله ولتقدره حق قدره وذلك على نحو مباشر لا يحتاج إلى تذكير بالنعمة إذ قال(فاذكروني أذكركم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت