قوله: (وتسلموا على أهلها) والتسليم أن يقول: السلام عليكم - أأدخل؟ ثلاث مرات - فإن أذن له، وإلا رجع - وذلك للخبر:"إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع".
وإنما خُص الاستئذان بثلاث؛ لأن الغالب من الكلام إذا كُرر ثلاثا سُمع وفُهم - فإذا لم يأذن له صاحب البيت بعد ثلاث تبين أنه لا يريد الإذن له، لعذرٍ عنده لا يعلمه المستأذن - فينبغي له أن ينصرف.
ومن صور الاستئذان: الدق على الباب على أن يكون ذلك خفيفا مسموعا، في غير عنف ولا إزعاج - ومن صوره في عصرنا الراهن الضغط على جرس موصول بالباب، موصل للصوت داخل البيت.
أما المرء يأتي بيته وفيه أهله من زوجة ومحارم كالأم والبنت والأخت ونحو هؤلاء، فلا يجب أن يستأذن عليهم - لكنه إذا دخل فإنه يسلم على أهل بيته - وإن دخل بيته وليس فيه أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - وقيل: إن الملائكة ترد عليه - وقيل: لا داعي للتسليم؛ إذ لم يكن في البيت أحد.
قوله: (ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون) الإشارة عائدة إلى الأمر بالاستئناس والتسليم، فإن ذلك خير لكم من الدخول بغتة.
قوله: (لعلكم تذكرون) أي لكي تتذكروا هذا الأمر من الله في أدب السلوك والاستئذان فتتمسكوا به وتطيعوه.
قوله: (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) إذا لم يكن في البيوت أحد يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها حتى يأتي من أهلها من يأذن لكم (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم) أي إن قال لكم أهل البيت ارجعوا فارجعوا، ولا ينبغي لكم بعد ذلك أن تلحوا عليهم في الاستئذان - بل إن رجوعكم خير من انتظاركم أو معاودتكم الاستئذان مرة أخرى.
قوله: (هو أزكى لكم) أي أطهر لنفوسكم من التّشاح على الدخول، لما في ذلك من استعلاء على الدناءة والخسة، وترفع عن مواطن الريبة.
قوله: (والله بما تعملون عليم) الله أعلم بما تخفيه قلوبكم من طوايا ومقاصد فاحذروا الاطلاع على سوءات الناس وتتبع عوراتهم واستراق البصر لما يجري داخل بيوتهم - وذلك توعد من الله للذين يتجسسون على الناس في بيوتهم فيدخلون عليهم في غفلة لينالوا منهم ما لا يحل لهم.
قوله: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم) أي لا إثم عليكم ولا حرج في دخول بيوت لا ساكن فيها - واختلفوا في المراد بهذه البيوت - فقد قيل: المراد بذلك الفنادق في طرق السابلة - وقيل: حوانيت البياعين - وقيل: الحمامات - وقيل: دور العلم - وقيل: الأسواق يأتيها الناس من كل مكان للشراء والاتجار - وقيل: بيوت الخلاء يقضي فيها الحاقن حاجته - والصحيح دخول الجميع في مفهوم هذه الآية فتحمل على الكل؛ فهي كلها مأذون بدخولها من جهة العرف - ولا حاجة للاستئذان بدخولها؛ فهي مرافق عامة للناس مهيأة لدخولها من غير إذن.
قوله: (فيها متاع لكم) المتاع في اللغة بمعنى السلعة - وهو أيضا المنفعة وما تمتعت به - وقد متع به أي انتفع 38 والمراد به هنا كل وجوه الانتفاع.