فهرس الكتاب

الصفحة 750 من 2536

أولا: عموم قوله تعالى: {فاعتبروا يأولي الأبصار} والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى الناس بصيرة وأعلمهم بالقياس - فهو بذلك حقيق أن يكون في جملة المأمورين هنا بالاعتبار.

ثانيا: الاجتهاد أكثر ثوابا لما فيه المشقة وبذل الجهد - وفي الحديث"أفضل العبادات أحمزها"55 أي أشقها - وقال - وقال عليه السلام:"ثوابك على قدر نصبك"56 أي تعبك - والأكثر ثوابا أولى وأفضل - وعلو درجته صلى الله عليه وسلم توجب أن لا يسقط عنه ذلك، تحصيلا لمزيد الثواب - وكيلا يختص غيره بفضيلة ليست له.

ثالثا: العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وكمال البصيرة من العمل بالنص - وذلك لتوقف الاجتهاد على النظر الدقيق والقريحة المستجاشة - فلا يتركه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه فضيلة.

المذهب الثاني: عدم جواز الاجتهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم - وهو قول الأشاعرة، وهم التابعون لأبي الحسن الأشعري، إذ منعوه شرعا وكذلك منعه أكثر المعتزلة عقلا - واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى} وكذلك هذه الآية التي نحن بصددها وهي {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} وهذا ظاهر في العموم وأن كل ما ينطق به فهو وحي وهو ينفي الاجتهاد، لأنه قوله بالرأي - وأجيب عن ذلك بأن الظاهر من قوله: {وما ينطق} أنه رد لما كانوا يقولونه في القرآن من أنه مفترى، فيختص بما بلغه وينتفي العموم.

ومنها: أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر جوابا عما سئل عنه - وقد أخر كثيرا كما في الظهار واللعان - وفي هذا الاستدلال نظر - فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الجواب في الظهار واللعان - بل أجاب في اللعان بقوله:"البينة أو الحد في ظهرك"وهو من رواية ابن ماجه عن ابن عباس - وكذلك قوله في الظهار"ما أرى إلا أنها قد بانت منك"ثم نسخ الحكمان بنزول آيتيهما.

المذهب الثالث: الوقف عن القطع بشيء من ذلك - هو أبي بكر الباقلاني والغزالي - وقال الشوكاني في رد ذلك: لا وجه للوقف في هذه المسألة لما قدمناه من الأدلة الدالة على الوقوع.

ويدل على علة وقوع الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} فقد عاتبه ربه على ما وقع منه - ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه - وكذلك معاتبه صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله: {ما كان لبني أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى غير ذلك مما يدل على جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم 57.

قوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} الأعمى يراد به المشرك الظالم لنفسه، والذي فسق عن دين الله وكذب رسله وجحد وشريعته.

وعمي عما الله من الأدلة والبراهين التي تكتشف عن وجه الحق - ويراد بالبصير، المؤمن الذي وعى البينات والحجج وصدق رسل الله الكرام جميعا وأيقن أن القرآن حق - فهل يستوي هذان الاثنان؟ لا جرم أنهما لا يستويان - كعدم استواء الحق والباطل، أو كل متضادين متناقضين.

قوله: {أفلا تتفكرون} الاستفهام هنا للتقرير والتوبيخ - والمعنى: أفلا تمنعون التفكير والنظر فيما بيناه لكم من الدلائل والمعجزات التي تكشف عن حقيقة هذا الدين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من ربه؟ أفلا تفرقون بين الحق القائم على التوحيد والذي جاء به الإسلام هداية للناس - والباطل القائم على الشرك والضلال والهوى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت