فهرس الكتاب

الصفحة 1513 من 2536

ذلك إخبار من الله عن عبادة الكون له وخشيته منه وتسبيحه بحمده - فما من شيء في الوجود إلا يسبح بحمد الله - وما من كائن أمام جبروت الله وسلطانه إلا هو بالغ الهوان والذلة - فقال سبحانه: (وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) والمراد بمن عنده: الملائكة المقربون؛ فهم عباد مكرمون أطهار لا ينثنون عن عبادة ربهم بالذكر والتسبيح والخشوع وكمال الطاعة في كل آناء الزمان من غير كلل ولا كسل ولا عجز كعجز الآدميين - وهو قوله: (ولا يستحسرون) أي لا يعيون ولا يتبعون - نقول: حسر البصر حسورا؛ أي كل وانقطع 10.

وذلك هو ديدن الملائكة؛ فهم يعبدون الله ويعكفون على ذكره والثناء عليه، دوام الزمان لا يكلون ولا يملون (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) الملائكة بطبيعتهم المميزة المطهرة منقطعون لعبادة الله وطاعته - وهم شأنهم الدعاء والتسبيح دائمين، لا يجدون في ذلك أيما فتور أو تثاقل أو عنت.

قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} (أم) بمعنى بل والهمزة ففيها إضراب - والاستفهام ههنا معناه التعجب والإنكار - يعني اتخذ هؤلاء المشركون الضالون أصناما من جوامد الأرض آلهة لهم - فهل يحيي هؤلاء الموتى فيبعثونهم من الأرض؟! إنهم لا يعبدون شيئا وإنما يعبدون آلهة مصطنعة صما وعميا لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا يملكون أن ينشروا من الموات نملة ولا بعوضة ولا أدنى من ذلك.

قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الضمير عائد على السماء والأرض - وهما كناية عن العالم كله - و (إلا الله) يعني غير الله.

والمعنى: لو كان يتولى تدبير أمور الكون آلهة شتى غير الله الواحد الذي فطرهما (لفسدتا) أي لأتى عليهما الخراب وساء تدبيرهما وحالهما؛ لما يحدث بين الآلهة المتعددة من التناكر والتنافر والاختلاف - لكن السموات والأرض وما فيهن وما بينهن يطّرد فيهن النظام والتماسك والتكامل وقوة البناء، فضلا عما تقوم عليه السماوات والأرض من روعة الناموس الكوني المفطور، والقوانين الذاتية الراسخة التي تسير عليها عجلة الحياة في أرجاء الوجود - كل ذلك يدل على عظمة الخالق القادر، وأنه واحد لا شريك له (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) وصف نفسه برب العرش لكون هذا خلقا هائلا يفوق في اتساعه وعظمته سائر المخلوقات في هذا الكون - فلئن كان هذا العرض هائلا ومتسعا وعجيبا وهو مخلوق فلا جرم أن الله الخالق أعظم من كل عظيم.

وقد نزّه الله نفسه (عما يصفون) أي عما يفترون على الله من الولد والزوجة.

قوله: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} الله المتصرف في تدبير الخْلق وإرادته في الكون مطلقة وبالغة - وكل شيء عنده حاصل بقدر - فما من أحد يعترض على مشيئة الله أو يعقب لحكمه؛ بل إن العباد هم المسؤولون في الدنيا عن أعمالهم، وهم المسؤول يوم القيامة سؤال الحساب والجزاء.

قوله: (أم اتخذوا من دونه آلهة) كرر الإنكار والتوبيخ استفظاعا لكفرهم واستبشاعهم لما زعموه واصطنعوه من الآلهة المفتراه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت