قوله: (ولا يزنون) من صفات المؤمنين مجانبتهم للزنا؛ فهم لا يستحلون الفروج بغير نكاح مثلما كان يفعل الجاهليون؛ إذ كانوا لا يعبأون بكيفية الوطء وإنما يعبأون بفعله سواء كان من نكاح أو من سفاح - لكن الإسلام نهى عن هذه المعصية النكراء وشدد عليها التنديد والنكير بأنها فاحشة، وأنها صورة مقبوحة من السلوك القذر الذي يفضي إلى تدمير البيوت والأسر وإفساد المياه والأنساب، وإشاعة الظنون والفوضى بين الناس - ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصنا، والجلد مائة جلدة لمن كان غير محصن.
قوله: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) جاء في تأويل الأثام عدة أقوال - فقد قيل: الأثام، جزاء الإثم - وقيل: الأثام والإثم بمعنى واحد - أي جزاء الأثام - وقيل: الأثام اسم من أسماء جهنم، أو واد في جهنم.
قوله: (يضاعف له العذاب) (يضاعف) ، بالجزم، على البدل، من قوله: (يلق) 57 وهو تفسير للأثام أو الجزاء الذي يلقاه من يفعل ذلك؛ أي يكرر عليه العذاب ويغلظ.
قوله: (ويخلد فيه مهانا) أي يخلد في العذاب المضاعف إلى ما لا نهاية، وهو مهين ذليل خاسئ.
قوله: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) الاستثناء منقطع؛ أي لكن من تاب وآمن - والاستثناء عام في الكافر والزاني، فالتائب منهما، توبته صحيحة وذلك ما لا خلاف فيه - أما القاتل ففي توبته خلاف - والراجح صحة التوبة من المسلم القاتل استنادا إلى هذه الآية (إلا من تاب وآمن) .
على أنه لا تعارض بين هذه الآية وآية النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) فهذه مطلقة فتحمل على من لم يتب - أنا الآية هنا فهي مقيدة بالتوبة - ويعزز القول بصحة التوبة من القاتل قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وعلى هذا، من تاب وأناب وأطاع الله وترك ما نهى الله عنه، وآمن وصدق بما أنزل على رسوله (ص) وأتْبع إيمانه وتصديقه بالعمل الصالح (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) واختلفوا في المراد بهذه الآية على وجوه:
الوجه الأول: أن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدّل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين - وبالزنا عفة وإحصانا؛ أي أن الله يبشر التائبين بأنهم موقفهم لصالح الأعمال ليستوجبوا بها الثواب - وهو قول ابن عباس وآخرين.
الوجه الثاني: أن السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة.
الوجه الثالث: أن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، استنادا إلى هذه الآية واحتجاجا بما ورد في ذلك من الأخبار والآثار - وهو المعنى الراجح - ويعززه قوله سبحانه: (وكان الله غفورا رحيما) الله غفار للذنوب والخطايا، تواب رحيم بعباده المؤمنين؛ إذ يحوطهم ببالغ فضله ورحمته.