فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 2536

والخطاب في الآية من الله للأمم الثلاث وهي: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد عليهم الصلاة والسلام - أي أن الله جعل التوراة لأهلها - وجعل الإنجيل لأهله - وكذا القرآن جعله لأهله - وبعبارة أخرى - فإن الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام كانت شرعتها ما في التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث أحمد كانت شرعتهم ما في الإنجيل - أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فشرعتهم ما في هذا الكتاب الحكيم وهو القرآن وكفى - فيجب العمل بمقتضاه وما حواه من أوامر وزواجر وتعاليم تصلح عليها البشرية في الدنيا والآخرة.

وذلك كله في الشرائع والعبادات والأحكام التفصيلية - أما الأصل وهو التوحيد فلا اختلاف فيه بين الأديان جميعا - وإنما تنبثق الأديان السماوية كلها من مشكاة واحدة فتدعو الناس كافة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له - إلى غير ذلك من أركان الإيمان الأخرى - وجملة القول في ذلك أن الدين واحد والشريعة مختلفة - وفي ذلك ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد"وهو يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله - أما الشرائع فمختلفة الأوامر والنواهي.

فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس - وقد يكون خفيفا فيزداد في الشدة في هذه دون هذه - وذلك لما لله في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الساطعة 129.

قوله: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} الأمة تأتي على عدة معان - منها: الجماعة - ومنها: الحين، كقوله تعالى: {وادّكر بعد أمة} أي بعد حين من الزمن وتأتي بمعنى الطريقة والدين - كقوله تعالى: {كنتم خير أمة} أي كنتم خير أهل دين 130 - ومعنى الآية هنا، أن الله لو شاء لجعل الناس جماعة متفقة على شريعة واحدة.

أو جعلكم ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه - لكن الله جعلكم على شرائع مختلفة ليبتليكم - أي ليختبركم هل تعملون بتلك الشرائع فتنقادوا خاضعين لأوامر الله أم تضلوا وتفرطوا وتتبعوا الغي والأهواء.

قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي ابتدروها وتسابقوا نحوها، وامضوا لفعلها مسرعين جادين غير متوانين ولا متثاقلين.

قوله: {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} ذلك استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات بما تضمنه ذلك من الوعد والوعيد - فإذا آل الأمر بالناس إلى الله فسوف يخبرهم إذ ذاك بالمجازاة التي لا يشكون معها في معرفة المحق والمبطل - أي أن الأمر سيؤول إلى ما تزول معه الشكوك ويحصل معه اليقين وذلك عن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته 131.

49 - (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)

قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت