أما الرحمن، فقيل: إن هذا الاسم غير مشتق، لأنه من الأسماء المختصة بالله سبحانه، ولو كان مشتقا لعرفته العرب، ولم ينكروه حين سمعوه قالوا (وما الرحمن (وقيل: الرحمن مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه: ذو الرحمة الذي ليس له فيها نظير، ولذلك لا يثنى ولا يجمع مثلما يثنى الرجيم ويجمع، والراجح اشتقاقه، لما خرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، وهذا نص يدل على الاشتقاق.
على أن الرحمن مختص بالله جلاله، ولا يجوز أن يسمى به أحد غير الله، ويدل على ذلك قوله:
(قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن (فعادل اسم الرحمن اسم الله الذي لا يتسمى به أحد غيره - 8
قوله: (الحمد لله (مبتدأ وخبر، الحمد هو الثناء الكامل على الجميل من نعمة أو معروف أو غير ذلك، والآلف واللام لاستغراق الجنس من كل المحامد، فالله جل جلاله يستحق الحمد أو الثناء جميعه، فقد أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه الحكيم بحمده وذلك بقوله: (لحمد لله رب العالمين (أي أن الله سابق في الثناء على نفسه من نفسه قبل أن يحمده أحد من العالمين، (رب العالمين (أي مالكهم، وكل مملوك مربوب، أي مملوك لله، فالله رب كل شيء أي مالكه، فالرب يعني المالك وهو الرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة - 9 كقوله (اذكرني عند ربك (والمراد بالعالمين، جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واجد له من لفظه مثل: رهط وقوم، وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس، لقوله تعالى:
(ليكون للعالمين نذيرا (ولم يكن النبيء نذيرا للبهائم.
وقوله: (الرحمن الرحيم (صفتان لله تحملان الثناء والتعظيم لله رب العالمين.
والله عز وعلا موصوف بالرحمة البالغة بالخلق، وقد تقدم الكلام عن معنى الرحمة.
ذلك أن الله عظيم الرحمة بالعباد على الكيفية التي ليس لها في درجات الرحمة نظير، وكذلك الرحيم صفة لله أخرى، وكلتا الصفتين تنبضان بكامل الرحمة، إذ تفيض على الوجود من خالق الوجود، فما يكون من شيء في الأرض أو في السماء إلا جاء في خلقه وطبيعته من خالق الوجود، فما يكون من شيء في الأرض أو في السماء إلا جاء في خلقه وطبيعته مكتملا، موزونا، لا يخالطه عوج، ولا يمسه في وجوده من الله ظلم، وفوق ذلك كله فإن رحائم الله بالعباد لا تحصى، بل إنها تتجاوز في كثرتها وعظمتها كل حسبان، وفي طليعة المعاني الكريمة من رحمة الله سبحانه وتعالى غفار للذنوب، يتجاوز عن معاصي الخلق مهما كثرت وعظمت، والإنسان من جهته كثير الزلات والمساءات، مستديم العدوان على حدود الله، ولا يبرح المعاصي والأخطاء، لضعفه ولفرط انشداده للشهوات ونفسه الأمارة بالسوء، لكن الله عز وعلا غفار لكل ما يفارقه الإنسان في حياته من الآثام إن استغفر وأناب أو ندم وتاب ما اجتنبت الخطيئة الكبرى وهي الإشراك بالله.
قوله: (ملك يوم الدين (يوم الدين أي يوم القيامة حيث الحساب والعقاب، والدين يعني الجزاء، دانه يدينه أي جازاه، ومنه، كما تدين تدان - 10
ويوم القيامة وغيره من مضامين هذا الوجود الهائل مملوك لله الخالق، فالله عز وعلا مالك الدنيا والآخرة ومالك الحياة والحياء والعالمين، بل إنه مالك كل شيء.