وإلى عدم النسخ ذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه - ووجه قولهم: أن المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة - واستدلوا على ذلك بأن الله قد امتنّ على عباده بما خلق لهم من ذلك - ولا يقع الامتنان إلا بالحلال، وذلك يدل على جواز شرب ما دون السكر من النبيذ - فإذا انتهى إلى السكر صار حراما - وعضدوا هذا القول من السنة بما رواه الدارقطني عن النبي (ص) أنه قال:"حرم الله تعالى الخمر بعينها؛ القليل منها والكثير، والسكر من كل شراب"ويستفاد من ذلك: أنه يحل شرب النبيذ ما لم يصل إلى الإسكار - وذهب إلى ذلك أيضا إبراهيم النخعي والطحاوي وسفيان الثوري.
والصواب أن هذه الآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر؛ فهي دالة على كراهيتها وليس إباحتها، ووجه الدلالة على الكراهية بأن الخمر في هذه الآية وقع ذكرها في مقابلة الحسن، وهذا يقتضي قبحها - والقبيح لا يخلو عن الكراهة وإن خلا عن الحرمة - قال صاحب الكشاف بعد أن فسر السكر بما ذكره: وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون منسوخة - والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة - وقال: إن القول بكونها منسوخة أولى الأقاويل - ثم قال: وفي الآية دليل على قبح تناولها تعريضا من تقييد المقابل بالحسن - وهذا وجه من ذهب إلى أنه جمع بين العتاب والمنة - وعلى الأول (العتاب) يكون إشارة إلى السكر وإن كان مباحا؛ فهو مما يحسن اجتنابه 74.
قوله: (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) ، أي: فيما تبين من حقائق لهو دلائل ظاهرة يتدبرها أولو الأبصار والاعتبار.
قوله: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) } (وأوحى) ، من الوحي: وهو الإلهام؛ فقد ألهم الله النحل وعلمه بوجه لا يعلمه إلا هو سبحانه - وبذلك يصدر منها أفعال مثيرة، وفي غاية الجمال والعجب؛ كأن يكون منها رئيس يأتمرون جميعا بأوامره، وهم جميعا في خدمته - وكذلك بناؤها البيوت المشكلة بأشكال مختلفة، كالمسدسات والمخمسات والمربعات والمثلثات، وغير ذلك من الأشكال مما لا يمكن للعقلاء أن يفعلوا مثله إلا بآلات هندسية.
قوله: (أن اتخذي من الجبال بيوتا) ، (أنِ) ، تفسيرية - وقيل: مصدرية، أي: باتخاذ 75 - والمعنى: أن الله ألهم النحل بأن تتخذ من الجبال أوكارا تأوي إليها، (ومن الشجر ومما يعرشون) ، أي: مما يعرشه الناس: وهو ما يرفعونه من الكروم أو السقوف.
قوله: (ثم كلي من كل الثمرات) (ثم) ، تفيد التراخي بين اتخاذ البيوت، والأكل الذي تدخر منه العسل - والثمرات جمع الثمرة، وهي الشجرة 76؛ أي: كلي مما في الأشجار من أوراق وأزهار وثمار.
قوله: (فاسلكي سبل ربك ذللا) ، الفاء للعطف؛ أي: إذا أكلت فاسلكي سبل ربك، وهي: الطرق أو المسالك في العود إلى بيوتها، (ذللا) ، جمع ذلول - منصوب على الحال من السبل؛ أي: ذللها الله وسهلها لها.