وقوله: (وسع كرسيه السماوات والأرض) نمسك عن الخوض في حقيقة الكرسي من حيث ماهيته وطبيعة استعماله، وما ندركه من ظاهر هذا النص الكريم وغيره من النصوص أن الكرسي خلق هائل عظيم من خلْق الله، وأنه أكبر من السماوات والأرض ودون العرش الذي جعله الله آية قدرته وهيمنته وعظيم سلطانه - فقد ورد عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- أنه سأل النبي (ص) عن الكرسيّ فقال رسول الله (ص) :"والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن فضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
وجاء عن ابن عباس قوله: لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلت بعضهن إلى بض ما كنّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة قي المفازاة.
وقوله: (ولا يؤوده حفظهما) (يؤوده) فعل مضارع مرفوع - نقول آد يؤود أودا - والأود معناه الإثقال بكسر الهمزة - والهاء في (يؤوده) ضمير متصل في محل نصب، مفعول به، وهو عائد على الله سبحانه وتعالى - (حفظهما) فاعل مرفوع - والضمير هنا في محل جر مضاف إليه أي أن الله عز وعلا لا يثقله ولا يعجزه أن يحفظ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - فهو سبحانه حافظ لكل شيء، مريد قادر على كل شيء - وما من خليقة ولا تقدير ولا نظام في السماء أو في الأرض إلا هو كائن بمشيئته وحده - فالله جل ثناؤه العظيم في علاه حتى ما يكون من شيء إلا هو حقير هيّن يسير بين يديه، وهو سبحانه الأكبر من كل كبير، حتى ما يكون من عظيم في السماء أو في الأرض إلا هو فقير إليه، صغير بين يديه؛ لذلك قال سبحانه في الآية: (وهو العلي العظيم) ولا ينبغي أن يفهم من ذلك علوّ المكان فإنه سبحانه منزه عن التجسيم أو التحجيم في حيّر، بل المقصود علوّ المكانة والمنزلة وارتفاع الشأن وبلوغه 318.
قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغنى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) .
هذه الآية تتضمن قاعدة كبيرة من قواعد هذا الدين - وهي قاعدة مبعثها التقدير والإجلال للكتب والأديان السماوية التي جيء بها عند الله - ومبعثها كذلك رفض القسر والإكراه أن يكونا سبيلا لحمل الناس على الإيمان أو الالتزام بعقيدة الإسلام.
وعلى ذلك فغنه لا ينبغي للمسلمين أن يستكرهوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى على الدخول في الإسلام قهرا، فقد استبان الرشد وهو الهداية وطريق الله المستقيم ومنهجه الحق، واستبان كذلك الغيّ وهو الضلال وما يندرج فيه من مبادئ الكفر ومذاهب الباطل وفلسفات الفساد والعمَهْ.
بعدما تميز الحق من الباطل، وحصحص الهدي ساطعا بلجا فإنه لا مساغ حينئذ للمسلمين أن يكرهوا الكافرين على الإيمان إكراها، فإن الإكراه في مثل هذا الأمر لا يجدي ولا يأتي بخير ولا يفضي بالإيمان إلى القلوب عن طواعية واستسلام، ولا بالقناعة والفكر إلى الأذهان والتصوّر عن تصديق وتثبّت ويقين.