قوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}
لا تنفع الشفاعة من اتصف بصفات الجحود والتكذيب بيوم القيامة
فإن هؤلاء لا يشفع فيهم شفيع
وإنما تنبغي الشفاعة للمؤمنين الذين سبقت لهم في الدنيا ذنوب وآثام.
قوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين} ما، في موضع رفع بالابتداء، ولهم، خبره
ومعرضين، منصوب على الحال من ضمير {لهم}
15 والمعنى: فما لهؤلاء المشركين قد أعرضوا وتولوا عما جئتهم به من الحق
أو عن التذكير بهذا القرآن وما فيه من الآيات والدلائل والعبر.
قوله: {كأنهم حمر مستنفرة} الحمر، جمع حمار - ومستنفرة أي نافرة
نفرت الدابة تنفر نفارا ونفورا 16
يعني ما لهؤلاء المشركين المكذبين معرضين عن دين الله وقرآنه،
فارين منه فرار الحمر النافرة الجامحة في الشراد.
قوله: {من قسورة} والمراد بالقسورة، الرماة الذين يتصيدون حمر الوحش - وقيل: القسورة بمعنى الأسد - فقد شبه المشركين النافرين عن قرآن الله، المعرضين عن دينه بالحمر الوحشية في شدة نفارها هاربة مذعورة من الرماة الصيادين أو الأسد - وفي تشبيههم بالحمر أو الحمير مذمة شديدة لهم وامتهان كبير، وشهادة عليهم بهوان عقولهم وفرط جهالتهم وضلالهم.
قوله: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشّرة} ذكر المفسرون أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ليصبح عند رأس كل واحد منا كتاب منشور من الله ورسوله - والصحف بمعنى الكتب وواحدتها صحيفة والمنشرة، المنشورة المفتوحة - وهذا من فرط عنادهم وشدة تكذيبهم - فرد الله بغيتهم وردعهم بقوله:
{كلا} .
قوله: {كلا} يعني لا يكون ذلك {بل لا يخافون الآخرة} لقد أعرضوا عن دين الله وعن سماع القرآن والموعظة بسبب إنكارهم القيامة وعدم خشيتهم منها - أو إنما أفسدهم وأضلهم عن الحق أنهم كانوا يكذبون بيوم الدين ولا يخافون عقاب الله في هذا اليوم المشهود.
54 - (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ)
قوله: {كلا إنه تذكرة} ذلك ردع لهم عن إعراضهم عن القرآن - أو ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أن القرآن سحر يؤثر، أو هو قول البشر - وإنما هو تذكير لهم عظيم وموعظة بليغة وكلام رباني معجز ليس له في النّظم نظير.
55 - (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ)
قوله: {فمن شاء ذكره} فمن شاء من عباد الله اعتبر به وانتفع بأحكامه ومواعظه.
قوله: {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} أي وما يتذكرون بهذا القرآن فيتعظون به وينتفعون بأحكامه إلا أن يشاء الله لهم ذلك - فإنه لا يقدر أحد أن يفعل شيئا من غير مشيئة الله وقدرته {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} يعني هو أهل أن يخافه عباده فيخشوا عقابه وسوء عذابه، وأهل أن يغفر الذنوب للتائبين المنيبين إليه - قال الزمخشري في ذلك: هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا - وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا - وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"هو أهل أن يتّقى وأهل أن يغفر لمن اتقاه"17.