وذلك هو شأن الكافرين الذين خرجوا من مكة، وكل الذين يخرجون لملاقاة الإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان، فغنما يخرجون ليبتغوا السمعة والذكر، لا يحفزهم إلى ذلك إخلاص لله ولا طلب لرضوانه - وإنما يحفزهم الخيلاء والغرور والمفاخرة بالأموال وكثرة العدد وقوة السلاح - وهم فوق ذلك {يصدون عن سبيل الله} أي يضلونهم عن دين الله ويغوونهم، ويصطنعون العراقيل والمعوقات والفتن التي تحول بين الناس وهذا الدين العظيم المبارك.
قوله: {والله بما تعملون محيط} أي أن الله عليم بمقاصد هؤلاء الأشرار الأشقياء وما تنثني عليه صدورهم من حقد وسوء، وما يبيتونه للمسلمين من خبيث المكائد والمؤامرات والفتن - الله عليم بذلك كله وهو سبحانه لا محالة مجازيهم أشد الجزاء في الآخرة حيث جهنم وبئس القرار، فضلا عن مجازاتهم في الدنيا بالخزي والتنكيل.
48 - (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
قوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} .
روي عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه، رأيته في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم - فقال الشطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم - فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته: فقال الرجل: يا سراقة تزعم أنك لنا جار - قال: غني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة 59 - لقد زين الشطان للمشركين أعمالهم في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن دين الله بكل وسائل الإغراء والترهيب والفتنة - ووسوس لهم بإيحائه الموهم المرجف أنهم لن يغلبوا ما داموا يركنون إليه وإلى جنوده من الشياطين - فما أن تلاقى الفريقان ورأى إبليس الملائكة {نكص على عقبيه} أي رجع وحجم وولى مدبرا هو وجنوده وتبرأ من المشركين؛ إذ بطل كيده حين نزلت جنود الله.
49 - (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
قوله: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم} المنافقون: هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر - أما الذين في قلوبهم مرض: فيراد بهم الشاكون وضعاف الإيمان الذين لم تشرح صدورهم بالإيمان فهم على حرف؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام - فهم بذلك دون المنافقين - والمراد أن هؤلاء جميعا قالوا عند التقاء الصفين {غر هؤلاء دينهم} أي غر هؤلاء المسلمين الذين يقاتلون المشركين، من أنفسهم دنيهم وهو الإسلام - يعنون أن المسلمين قد اغتروا بدينهم وأنهم يتقون به فيستطيعون هزم خصومهم وهم الأكثرون الأقوياء.