قوله: {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} أصل التقوى من الوقاية وهي الحماية - والمقصود من ذلك هو أن يتخذ المؤمنون من الأعمال الصالحة واجتناب المناهي والمحظورات ما يقيهم أهوال اليوم المشهود وهو يوم القيامة حيث الشدائد والنوائب - فإن في ذلك اليوم لا يملك أحد أن يقدم لأحد أي جزاء كأن يزحزح عنه شيئا من عذاب أو يؤتيه شيئا من ثواب.
وفي هذا اليوم العصيب لا يقبل من أحد إلا ما قدمه من عمل خالصا لوجه الله الكريم - وإذا لم يكن للمرء يومئذ عمل كان في سجله مسطورا، فإنه لا ينفعه شيء ولا يدرأ عنه العذاب فداء أو شفاعة، فلا الفداء من مال أو غيره، ولا الشفاعة من أحد الشافعين ينجي المفرط الخاسر بمثقال قطمير، ويومئذ يخسر المبطلون والفساق ويحسون مرارة الحسرة والهوان، وهم إذ ذاك يلتفتون من حولهم في وجوم وحيرة وشخوص ويتشبثون في إياس مطلق بمن ينصرهم وينقذهم وليس من مجير أو نصير.
قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود} في هذه الآية تذكير لأهل الكتاب والمشركين والناس جميعا بمقام إبراهيم العظيم، وهو مقام رفيع متميز بما حققه هذا النبي الكريم من عظيم الأعمال - لا جرم أن إبراهيم الخليل عليه صلوات الله كان إماما في الخير والبر والتقوى بما يعنيه ذلك من أوجه الصبر والثبات والجود والامتثال الكامل لأمر الله في أشق الأحوال وأحرجها وأحلكها - ومن أصدق ما يجيء به من حديث في الكشف عن حقيقة هذا النبي الفذ قول الله سبحانه: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين} وقوله سبحانه: {وإبراهيم الذي وفى} لقد وفّى إبراهيم عليه السلام كل ما أنيط بزه من الوجائب دون تقصير، مع أنها وجائب كانت غاية في الصعوبة التي تنوء بحملها الجبال الرواسي، لكن إبراهيم الخليل قد احتملها كلها صابرا ثابتا من غير أن يلين أو يتزعزع.
لقد امتحن الله إبراهيم عليه السلام {بكلمات فأتمهن} والمراد بالكلمات على وجه العموم مجموعة الأوامر والنواهي التي كُلف بها هذا الخليل العظيم عليه السلام - وهي أوامر ونواه لا جرم أنها ثقيلة وعسيرة وأن احتمالها والاقتدار عليها بثقل كاهل كل إنسان إلا أن يكون فريدا في نوعيته ومستواه، أو أن يكون ذا عزم مكين لا يهون مهما اشتدت الخطوب أو تراكمت الأهوال والمحن.