ذلك إخبار من الله عن إعراض المشركين وعن تماديهم في الكفر والضلال وما كانوا عليه من العُتوّ والتمرد - وهو قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} أي إذا قيل لهؤلاء المشركين الضالين: اتقوا ما حلّ بالأمم السابقة من أنواع العقاب وما أعده الله لكم من عذاب أليم منتظر ينزل بكم يوم تقوم الساعة بسبب شرككم وعصيانكم - وقيل: المراد نوازل السماء ونوائب الأرض - والأظهر عموم أنواع البلاء من الله سواء في الدنيا أو في الآخرة - فإن - الله عز وعلا - يخوفهم عقابه في كل الأحوال ويحذرهم سوء المصير يوم القيامة إذا لم يتعظوا ويزدجروا.
قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي اتقوا الله واعبدوه وحده وأطيعوه واجتنبوا معصيته ومخالفة أمره لعله يرحمكم برحمته الواسعة فينجيكم من نوازل الدنيا وأهوال يوم القيامة.
والظاهر أنهم لجوا في الإعراض والضلالة ولم ينتهوا عن الكفر والباطل - ويفهم ذلك من قوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .
{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي: ما تأتيهم آية منزلة من عند الله فيها خيرهم وهدايتهم وصلاحهم إلا بادروا بالإعراض والجحود والمخالفة
فكأن دأبُهم أن يُعرضوا عن كل آية تأتيهم.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} إذا أمر المؤمنون المشركين بالإنفاق من أموالهم على الفقراء والمحتاجين، بخلوا واستنكفوا، وأجابوا - وهم يُغلِّفُ قلوبهم الشحُّ واللؤم والخسة وقَسْوةُ الطبع - قائلين {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} أي أنعطي من حرمه الله - فلو شاء الله لأعطاهم من رزقه فلأغناهم عن صدقتنا وإنفاقنا - فكيف نعطي من لم يعطه الله؟ - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان بمكة زنادقة فإذا أُمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله، أيُفقرهُ الله ونطعمه نحن؟.
قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} ذلك من جملة جوابهم للمؤمنين؛ إذ قالوا: ما أنتم إلا في ضلال ظاهر مكشوف إذ تأمروننا أن نخالف مشيئة الله في إفقار هؤلاء - وقيل: ذلك من قول الله لهم - وهو أنكم بشُحّكم وضَنّكم بالتصدق والإنفاق على الفقراء فإنكم تائهون في الباطل، بعيدون عن الحق والسداد - والمعنى الأول أظهر لموافقته السياق 33.
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} .