اسم الإشارة (أولئك (في محل رفع مبتدأ، واسم الموصول بعد الإشارة خبر دلت عليه الجملة الفعلية وهي صلة الموصول، الإشارة عائدة على المنافقين الذين بدلوا الهدى ليكون ثمنا ثم استعاضوا عنه ببدل رذل وهو الكفر أو الضلالة، هكذا يعقد المنافقون صفقة من البيع الخبيث الخاسر، وذلك على سبيل الاستعارة التي تكشف عن مبلغ الحماقة والضلالة والتعس الذي وصله أولئك المنافقون وهم يمسكون بالكفر ليطرحوا بدلا منه الإيمان وتلك تجارة خاسرة لم تأت بخير ولم تنطو على غير الوخامة والتخسير.
قوله: (وما كانوا مهتدين (ذلك نفي للهداية عن المنافقين، أما طبيعة هذا النفي فقد ورد فيها قولان: أحدهما: أن النفي جاء وصفا للمنافقين حال رفضهم للإيمان، فهم بذلك قد اختاروا الضلالة، ثانيهما: أن ذلك إخبار عن علم الله الأزلي بأن هؤلاء لن يهتدوا وأنهم صائرون- في علم الله- الى الضلالة، والراجح عندي هو الأول والله أعلم.
قوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (مثلهم مبتدأ كمثل جار ومجرور خبره، 7
ذلك مثل يضربه الله لهؤلاء المنافقين وهو يطابق حقيقة المنافقين و ما سلكوه من طريق الضلالة والتعتر.
إن هؤلاء المنافقين الذين رأوا الحق واستمعوا إليه وأدركوه إدراكا ثم رفضوه ونبذوه، مثلهم كالذي تكون من حوله نار مستوقدة مضيئة تكشف له عما حوله من أمور وأشياء حتى إذا أبصر ما حوله وكان مبصرا مهتديا انطفأت النار فذهب الضياء والنور وأصبح الذي كان مستنيرا لا يرى شيئا فتعثر في الضلال والعمه.
تلك هي حال المنافق إذ تأتيه نسائم الإيمان، وتهتف به نداءات الخير والهداية من أجل أن يستقيم ويهتدي ثم يجحد ذلك كله وينفلت عنه انفلاتا عاتيا ليكون في صف العصاة والأذلين.
واختلف المفسرون في شأن المنافقين هنا من حيث كفرانهم بعد إيمان، أو أنهم لم يكونوا قد أمنوا من قبل، وأن الإيمان لم يدخل قلوبهم في يوم من الأيام، ثمة قولان في هذه المسألة مع أن ظاهر الآية يوحي باعتبار القول الأول وهو أن هؤلاء المنافقين قد كفروا بعد الإيمان، وأنهم اتبعوا الضلال بعد أن لامست الهداية قلوبهم.
قوله: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون (تلك هي حقيقة حال المنافقين، وهي حال تكشف عن طبيعة شاذة ملتوية، لا يؤثر فيها النداء الكريم، ولا تلجها الذكرى، فهي طبيعة منكمشة صلدة لا تعي صدق الدين والنبوة، ولا تقوى على استلهام شيء من حلاوة الإيمان، وأصدق لهؤلاء المنافقين ما ذكرته الآية من كلمات شاملة معدودة (صم بكم عمي (وهذه كلمات قليلة تزجي بالمعنى المقصود على أتم ما يكون الإرجاء فهم صم لا يسمعون الحق، وذلك لإعراضهم وانثنائهم عنه، وهم كذلك بكم ومفردها أبكم وهو الأخرص الذي يظل قابعا دون إعطاء أو مشلولا لا يؤتي خيرا أو نفعا.