والمخاطب في هذه الآية موضع خلاف المفسرين - فثمة قول بأنهم الأزواج قد أمرهم الله بعطاء الزوجات مهورهن دون تردد أو شح - وفي قوله آخر: إنهم الأولياء وقد كلفهم الله ألا يأكلوا مهور البنات عند الزواج كالذي كان عليه الشأن في الجاهلية، وقد أورد أهل البيان معنى لطيفا مأخوذا من نوعية الحروف التي تتألف منها كلمة الصداق وهي الصاد والدال والقاف - وقالوا: إن هذه الحروف تنطوي على الشدة والحزم وهي إنما يليق استعمالها في مجال العزم والقوة - وفي ذلك دلالة على أن مهر المرأة قد شددت الشريعة عل دفعه للمرأة بحزم من غير وناء أو لين - وتدل الآية على وجوب الصداق للمرأة عند الزواج بغير خلاف - فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقل المهر عشرة دراهم - وقال الإمام مالك: إن أقله ربع دينار أو ثلاثة دراهم - وقال آخرون: إنه يصح أن يكون المهر عملا يؤديه الزوج لزوجته كأن يكون ذلك تعليما أو زراعة أرض - ويصح أن يكون المهر كذلك منفعة من المنافع التي تتقوم بالمال مثل سكنى الدار أو الانتفاع بالأرض.
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا حد لأقل المهر، وقالوا: إن كل ما يصلح أن يسمى مالا جاز أن يكون مهرا لقول النبي (ص) لأحد الخاطبين:"التمس ولو خاتما من حديد"11.
ويحل للأزواج أو الأولياء أن يأكلوا شيئا من المهر إن طابت به أنفس الزوجات وقدمنه بغير قسر أو إكراه أو استحياء - وقوله (نفسا) ، منصوب على التمييز.
وقوله: (فكلوا هنيئا مريئا= ليس المقصود هنا صورة الأكل بالذات، بل المراد هو استباحة الاستفادة والاستغلال بأي وجه من وجوه الانتفاع - وقد ذكر الأكل لوقوعه في الغالب.
(هنيئا مريئا) كلاهما منصوب على الحال - والتقدير هو: فكلوه أكلاه هنيئا مريئا - والهنيء معناه الطيب الذي لم يأت بتعب أو مشقة - والمرئي السهل الذي لا ضرر فيه ولا أذى.
قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) - أمر الله تعالى ألا تعطى الأموال للسفهاء وهم الجهال والطائشون الذين يبددون الأموال في خفة وطيش - وبذلك فإن الآية في شمولها واتساعها تتناول من يتصرف في المال باستخفاف وبغير روية أو اتزان أو ما كان في غير مصلحة معتبرة ويندرج في مفهوم هذه الآية من وجب الحجر عليه لسفهه ورعونته واستخفافه كالمبذرين الذين يبددون الأموال في إسراف كريه، والصغار الذين لا تسعفهم أحلامهم في التصرف الحسن الموزون، وكذلك المغفلون الذين يتعاملون ويتبايعون في غير وعي ولا إدراك ولا خبرة في مثل هذا المجال بحيث يظلون عرضة للاستغفال من الطامعين الذين لا ينثنون عن أكل الحرام واستغلال الضعفاء.