فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 2536

وكل هذه الضروب في التحية منسوخ في شريعة الإسلام - وإنما المشروع وحده للتحية ما كان بالكلام بدلا عن السجود أو الانحناء أو الإيماء أو التكفؤ؛ فليس لمسلم بعد ذلك أن يحيي أخاه بشيء من ذلك؛ فإنه كله صور من صور الشرك الذي ينافي عقيدة التوحيد في دين الإسلام.

قوله: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} قال يوسف لأبيه: هذا السجود الذي سجدتموه لي أنت وأمي وإخوتي لهو مآل رؤياي التي كنت رأيتها من قبل ما فعل بي إخوتي ما فعلوه، وقد جعل ربي هذه الرؤيا {حقا} أي صادقة محققة - واختلفوا في قدر المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وتأويلها - فقد قيل: كانت أربعين سنة، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين.

قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} أحسن الله إلي بإخراجي من السجن حيث كنت محبوسا، وفي مجيئكم من البدو إلى هنا؛ فقد ذكر أن مسكن يعقوب وولده كان ببادية فلسطين - وقيل: في عربة من أرض فلسطين بغور الشام؛ فقد كان آل يعقوب أهل بآدية وشاء وإبل ينتقلون في المياه والمناجع - و {البدو} مصدر - بدا فلان يبدو بدوا؛ إذا صار بالبادية - والبدوة تعني الإقامة في البادية وهي ضد الحضارة 110؛ أي ما حصل بني وبين إخوتي سببه نزغ الشيطان؛ فقد نزع بني وبينهم؛ أي أفسد بيني وبينهم - وقد أسند خطيئة إخوته إلى الشيطان تلطفا منه وتواضعا - وقيل: أوقع الشيطان بيني وبينهم بإثارة الحسد في قلوبهم - {إن ربي لطيف لما شاء إنه هو العليم الحكيم} الله رفقي بعباده؛ فهو يرحمهم برحمته ويكف عنهم البأساء واللأواء، ويكون لهم خير حافظ ومعين إذا أحدقت بهم الشدائد والكروب؛ فقد رحم عبده الصابر الطهور يوسف فاذهب عنه البلاء والشدة وكرمه خير تكريم {إنه هو العليم الحكيم} الله العليم بمصالح العباد - فليس من عليم بما ينفعهم أو يضرهم على الحقيقة سوى الله - وهو سبحانه الحكيم في تصرفه وتدبيره 111.

قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} بعد ما جمع الله ليوسف أبويه وإخوته وأهليهم وبسط عليه من الدنيا كل وجوه الكرامة والإعزاز والتمكين في الأرض وآتاه الله السعة في الملك والنعيم قال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} أي ملك مصر حيث السلطان وعلو المنزلة {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي تعبير الرؤيا - وهذا من جملة العلوم التي يؤتاها أولو البصائر النيرة من المؤمنين الأخيار {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} {فاطر} منصوب على النداء؛ أي يا خالق السموات والأرض {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ} أنت عوني ونصيري؛ إذ تتولى أمري كله في الدنيا والآخرة.

على أنه ما ينبغي لأحد في شريعة أن يتمنى الموت وإن اشتدت به الخطوب وتكاثرت من حوله النوائب والمحن - فما ينبغي لمسلم في مثل هذه الأحوال من الشدة والكرب إلا أن يلجأ إلى الله بالدعاء؛ لكي يفيض على قلبه بالرحمة والسكينة، وأن ييسر له الطاقة على الاحتمال والصبر؛ فيكتب عند الله في عداد الصابرين العابدين المخبتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت