لقد تمالأ المجرمون الأشرار على قتل رسول الله الذي أرسله إلى الناس بالهدى والصلاح والفضيلة؛ فأي اجتراء غشوم أثيم على الإتيان بهذه الفعلة الخبيثة - وأي جناية عظمى يتلبس بها هؤلاء الخبثاء الأشقياء وهم يتواطئون على إزهاق إنسان ليس كغيره من الأناسي، ولكنه رسول رب العالمين.
لكن الله المنتقم الجبار كان لهؤلاء المتواطئين المجرمين بالمرصاد ليرد كيدهم في نحورهم، ويدفع عن نبيه الكريم شرهم ومكرهم - وهو قوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} - المكر، يعني الاحتيال والخديعة - فهو ماكر ومكار - ومكر الله معناه مجازاته على المكر؛ فهو يجازي السيئة بالعقاب - وذلك مكره 31 فقد أخذهم الله بالعذاب ودمّر عليهم تدميرا {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي استدرجهم الله استدراجا ثم أخذهم على غره وهم لا يعلمون بمكر الله بهم - وذلك جزاء تمالئهم على نبيه وائتمارهم به ليقتلوه ليلا - قال ابن عباس: أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة فامتلأت بهم دار صالح - فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فقتلهم الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها - وقيل: اختفوا في غار قريب من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا - فهذا ما كان من مكرهم، ومكر الله مجازاتهم على ذلك.
قوله: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} أنّ بالفتح بدل من العاقبة 32؛ أي انظر يا محمد ما آلت إليه حال هؤلاء الظالمين الماكرين، وما صاروا إليه من الهلاك والإبادة فقد دمّر الله عليهم وقومهم تدميرا، إذ أخذ الله التسعة المفسدين وهم الرهط الذين ائتمروا بصالح ليقتلوه ليلا - وكذلك أهلك الباقين من ثمود بالصيحة العاتية فدمدم عليهم {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}
{فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} {خَاوِيَةً} ، منصوب على الحال من بيوتهم 33 و {خَاوِيَةً} ، خالية من أهلها - من الخواء 34.
والمعنى: أن مساكن هؤلاء الظالمين خالية منهم فليس فيها منهم أحد؛ إذ أهلكهم الله إهلاكا بسبب ظلمهم، أي إشراكهم وتكذيبهم وصدهم عن الحق.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي فيما فعله الله بثمود من التدمير والإهلاك والإبادة لعبرة لمن يعتبر وعظة لمن يتذكر فيخشى ويزدجر.
قوله: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} لقد نجّى الله الفئة المؤمنة من عباده الذين اتبعوا صالحا فصدقوه وآمنوا بدعوته؛ فقد خرج بهم صالح إلى أرض الشام، وقيل إلى حضرموت حيث كتب الله لهم السلامة والنجاة بسبب إيمانهم وتقواهم والله ينجي عباده الصالحين 35