فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 2536

قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور} الضميران الكاف والهاء مفعولان - والمعنى: {وإذ يبصركم الله إياهم قليلا} أي قللهم في أعينكم تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتزدادوا يقينا فتحملوا عليهم بجراءة وجد - قال ابن مسعود (رضي الله عنه) : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة - فأسرنا رجلا منهم - فقلنا له: كم كنتم؟ قال؟ ألفا.

وكذلك قلل الله المسلمين في أعين الكافرين - وهو قوله: {ويقللكم في أعينهم} حتى قال قائل من المشركين عن المسلمين: إنما هم أكلة جزور.

على أن الغرض من تقليل الكافرين في أعين المسلمين ظاهر - أما الغرض من تقليل المسلمين في أعين الكافرين: فوجهه أن الله قللهم في أعين الكافرين قبل اللقاء؛ كيلا يبالوا بهم فيجترؤوا عليهم - ثم كثرهم الله بعد ذلك لتفجأ كثرتهم المشركين فيبهتوا ويهابوا فتميد شوكتهم ويفل جمعهم فيولوا الأدبار بعد ما رأوا ما لم يكن في حسبانهم.

قوله: {ليقضي الله أمر كان مفعولا} تكررت هذه الآية؛ فقد ذكرت في الآية المتقدمة - والمقصود من ذكرنا هنا البيان من الله أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين ليصير ذلك سببا في أن لا يبالغ المشركين في تحصيل الاستعداد والحذر - وذلك سيفضي إلى هزيمتهم وإعزاز الإسلام والمسلمين.

قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} مصير الأمور كلها إلى الله يوم القيامة - وحينئذ يجازي الله العباد بما علموا من إحسان وإساءة 55.

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 45 وأطيعوا الله ورسوله ولا تتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} هذا بيان من الله لعباده المؤمنين؛ إذ يأمرهم بالثبات عند لقاء العدو - فما يحل لهم أن يفروا من وجه العدو الظالم ولا يضطربوا وينثنوا أو يتخاذلوا وتلين قناتهم - بل عليهم أن يستبسلوا في المواجهة والقراع، وأن يقاتلوا أعداء الله مع شجاعة وحماسة وجراءة.

إنه ما يجوز للمسلمين - بحال أن يتملكهم الجبن والذعر عند اللقاء في الحرب فيولوا الأدبار؛ فإنه لا يولي دبره عند لقاء العدو - إلا كل خائر جبان، غير خليق باحتسابه في فئة المؤمنين الصادقين - بل إن المؤمنين الصادقين أوفياء ثابتون على الحق، ماضون على أمر الله ودينه، لا تزعزعهم جحافل الكافرين الأنداد مهما جمعوا وأعدوا وكادوا - ومن أكرم ما يرد في هذا الصدد ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله ابن أبي أوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسألوه الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم) وفي الخبر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو واسألوه الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت) - وعن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا قال: إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت