فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 2536

وهذه آيات تسع قد قررت إرادة الله القدير تنزيلها تبرئة لإنسان متهم بعد أن حاق به ظلم افتراه منافق - وفوق ذلك قد ليم النبي الكريم (ص) على نحو من التأنيب الشديد - وتلك غاية في كمال العدول وروعة العقيدة والخلق نتخيلهما ونحن نتلو ذلك التأنيب الرباني المخوف يتنزل على قلب النبي الكريم وشخصه إنقاذا ليهودي مظلوم - بعدله وفضله؛ إذ يفرض العدل والحق في واقع البشر، في كل الأحوال ومهما تكن الظروف - ويستوي أمام عدل الإسلام الناس كافة سواء كانوا مسلمين أو يهوديا أو نصارى لا جرم أن يكون في مثل هذا النموذج المذهل ما يزجي بقاطع من البرهان على أن هذا الكتاب منزل من عند الله سبحانه وإنه لمن العبث واللغط في هذيان أن يفتري على هذا الكتاب بأنه من وضع بشر.

آيات تسع نقرأها كلما مررنا بسورة النساء وكلما أردنا التلاوة في شوق وتحنّث لندرك روعة الإسلام وهو يزن الأمور بقسطاس العدل في غاية الموضوعية البحتة التي لا تميل مع الهوى ولا تجنح - تحت ضاغط العاطفة- لأي من اعتبارات القرابة أو الصحبة أو الصهرية ولا تخضع لأي لون من ألوان التعصب للوطن أو القومية أو الدين وقاعدة الإسلام في ذلك أن الحق أحق أن يُتّبع.

قوله: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) قد خوطب النبي في تكليف من ربه أن يحكم بين الناس على نحو ما أراه الله، وذلك يحتمل أحد المعنيين التاليين أو كليهما معا - وهما النص المنزل الذي يقوم على الوحي، أو النظر المشدود للنص، فهو بذلك أساسه الوحي الذي لا يخطئ ولا يزل - وما يراه النبي عليه السلام في المعنيين يعتبر صحيحا يجب الأخذ به، والأصل في ذلك العصمة المقدورة للنبيين وهي تخويل لهم من الله أن يحكموا بين العباد بموجبها ليأتي حكمهم صائبا على الدوام تمشيا مع قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) .

قوله: (ولا تكن للخائنين خصيما) ينهى الله نبيه محمدا (ص) أن يخاصم عن الخائنين وهم بنو أبيرق الذين قارفوا السرقة ثم افتروا على اليهودي ظلما وعدوانا - والخصام معناه الجدال - فالخصيم عن الخائنين هو الذي يجادل عنهم مدافعا وذلك ما ورد فيه النهي؛ لأنه ظلم لا يرضى عنه الإسلام ولا يقرّه بأية حال لما فيه من ميل عن الحق والعدل وجنوح للهوى والخطأ.

وفي ذلك تذكير لنا بعدم الدفاع عن أهل الباطل أو النفاق فلا تأخذنا في ذلك لومة لائم وذلك ما يفرضه الإسلام وهو ألصق بالصواب والحق وأبعد عن الظلم والمحاباة والباطل.

وثمة إدراك جيّد للعلماء في حقيقة توجيه الخطاب للنبي (ص) ، فقد قيل: إن المراد من ذلك ليس النبي بالذات، ولكن المراد هم ضعاف الإيمان من المسلمين الذين انطلقوا يدافعون عن هؤلاء الخونة الذين خانوا الله ورسوله؛ إذ اجترحوا السرقة ثم رموا بها اليهودي البريء - ويعزّز هذا الفهم قوله تعالى: (ها آنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا) 153.

قوله: (واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما) .

جاء في سبب الاستغفار جملة أقوال:

الأول: أن ذلك سبب الذنب في المجادلة والدفاع عن الخائنين - حتى أن النبي أوشك أن يقطع يد اليهودي بعد أن تحقق من إدانته بناء على توثّقه من دعوى بني أبيرق.

الثاني: لا يدل الاستغفار هنا على ذنب اقترفه النبي - ولكن المقصود هو دعاء النبي واستغفاره للمذنبين من أمته الذين يتخاصمون بالباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت