فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 2536

على أن الصبر على المحن إنما يكون معتبرا إذا كان عند صدمة الخبر الفادح، فإذا ما ثبت المؤمن لدى ورود الصدمة واسترجع فذلكم الذي له البشرى بالرحمة والرضوان - وفي ذلك قد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

وشرط الصبر لتمامه وكمال شرفه ألا يجزع المبتلى عند صدمة الخبر الداهم، وألا يبث للناس شكايته على سبيل الإياس والزعزعة والابتئاس، ولكن ليكظم ألمه ويحبس نفسه عن البث والشكوى أو الأنين في ضعف وخور.

ولا تنحصر المصيبة في أنواع معلومة مما يصيب الإنسان فيؤزه ويؤلمه، ولكنها تشمل كل صورة من صور الابتلاء مهما كان حجمها أو تأثيرها - وبذلك فإن المصيبة كما يراها الدين تتضمن كل وجه من وجوه الشر التي تصيب الإنسان فتؤذيه، صغيرا كان الأذى أو كبيرا - فقد ذكر أن مصبح رسول الله (ص) قد انطفأ ذات ليلة فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال:"نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة"وأخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله (ص) يقول:"ما يصيب المؤمن من وصب 149 ولا نصب 150 ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته"151.

قوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (أولئك) اسم إشارة في محل رفع مبتدأ - (عليهم) جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم - (صلوات) مبتدأ مؤخر مرفوع - والجملة الإسمية من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول اسم الإشارة.

والصلوات مفردها صلاة - وهي من الله على عباده تعني العفو والمغفرة والثناء الحسن - اسم الإشارة (أولئك) عائد على الصابرين - وهم الثابتون المحتسبون الذين إذا أصابته مصيبة ثبتوا واسترجعوا - فإن أولئك يكرمهم الله بعفوه وغفرانه وينزل عليه رحمته وسلوانه؛ وذلك لثباتهم وتجلدهم دون جزع أو نكوص - قوله: (وأولئك هم المهتدون) أي للحق والصواب؛ حيث استرجعوا وأذعنوا واستسلموا لقضاء الله من غير جزع ولاتبرم.

وقوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) جاء في سبب نزول هذه الآية أكثر من وجه نذكرها هنا اقتضابا غير مفصل - فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن عروة بن الزبير سألها: أرأيت قول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) فوالله ما على أحد جناح ألا يتطوف بهما - فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلْتها عليه كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ لأن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل وكان من أهلَّ لها يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله (ص) فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله عز وجل الآية - وقالت (عائشة) : ثم قد سن رسول الله (ص) الطواف بهما؛ فليس لأحد أن يدع الطواف بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت