فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 2536

قوله: (يقولون هل لنا من الأمر شيء) ذلك إخبار عما حكاه المنافقون بعد الذي أصاب المسلمين في أحد - والاستفهام هنا للإنكار والجحد - ومعناه: ما لنا شيء من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها فرد الله عليهم ذلك بقوله: (قل إن الأمر كله لله) أي أن القدر كله خيره وشره بيد الله فينصر من يشاء ويخذل من يشاء - وقوله: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) أي يضمرون التكذيب والجحد ولا يظهرونه لك - وفسر ذلك بقوله: (يقولولن لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) أي لو كان لنا اختيار أو رأي عند محمد لما برح المدينة كما كان رأي عبد الله بن أبي وغيره - ولما غلبنا فقتل منا من قتل - وفي هذا الصدد ذكر عن عبد الله بن الزبير أن أباه الزبير قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره - قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن فشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههانا) .

وقوله: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) أي لو كنتم جالسين في بيوتكم ولم تشهدوا القتال مع المؤمنين فلسوف يخرج الذين كتب عليهم القتل للموضع الذي كتب عليهم فيه مصرعهم؛ ذلك أن الحذر لا يغني من القدر وأن التدبير لا يدفع التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا مناص لهم من قدر الله المحتوم.

قوله: (وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) الابتلاء معناه الاختبار والإمتحان - وجملة التعليل (وليبتلى الله) على لفعل محذوف - أي فعل ذلك مما حصل لكم في أحد ليمتحن ما في صدوركم فيظهر سرائر المنافقين، ويكشف عن مكنون قلوبهم من الغش والمرض والنفاق فيطلع عليها المؤمنين - وكذلك (ليمحص ما في قلوبكم) أي لتطهركم من الذنوب والمعاصي - أو لتطهر قلوبكم من الوساوس والشبهات.

قوله: (والله عليم بذات الصدور) أي أن الله يعلم بما يستكن في ضمائر العباد من خير وشر أو من إيمان وكفر - فإنه جل جلاله لا يخفى عليه شيء من أمور الخليقة ويستوي في ذلك عنده ما كان خافيا أو معلنا.

قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم) المراد بذلك أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وهم المؤمنون والمشركون وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم بعد أن أوقعهم الشيطان في الزلل - وقوله: (استزلهم) أي حملهم على الزلل - أو طلب منهم الزلل - ومفرد الزلل زلة بمعنى خطيئة.

وتأويل الآية أن الذين انهزموا من أمام المشركين في أحد كان السبب في توليهم (فرارهم) أنهم كانوا أطاعوا الشيطان؛ إذ (استزلهم) - أي دعاهم إلى الزلة بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب ومنها أن زين لهم الهزيمة فانهزموا؛ إذ تركوا المكن الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالثبات فيه فجرهم ذلك إلى الهزيمة، لكن الله جلت قدرته قد عفا عن كهؤلاء القوم إذ تجاوز لهم عن توليهم يوم التقى الجمعان - وذلكم شأن الله مع عباده، فهو بفضله ومنه يعفو عن المذنبين ويمحو الخطايا ويتجاوز عن ذنوب المسلمين المسيئين - وهذا مقتضى قوله: (إن الله غفور حليم) أي عظيم المغفرة لمن تاب وأناب، وحليم لا يعجل بالعقوبة 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت