يبين الله علو قدر القرآن وعظيم شأنه وأنه ينبغي أن تتدبره العقول وتخشع منه القلوب - فهو الكلام الرباني المعجز بعجيب أسلوبه ونظمه، وجمال وصفه وتركيبه، وكمال مضمونه ومعناه، وحلاوة جرسه وإيقاعه ما يشده البال ويأخذ بالقلوب، ويملك الأسماع - فقال سبحانه: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} خاشعا متصدعا، منصوبان على الحال، لأن (رأيت) ههنا من رؤية البصر 15 المعنى: لو أننا أنزلنا هذا القرآن - بجلال قدره وعظيم شأنه وسمو معناه على جبل ذي عقل وفهم لخشع هذا الجبل وتشقق بالرغم من كبير حجمه وصلابة صخره - وذلك مما يجده في القرآن من عجائب تثير في النفس الخشوع والرهبة والورع - فخليق بالإنسان ذي العقل والفهم أن يتفكر في هذا القرآن ليتدبر معانيه فيتعظ ويخشع.
قوله: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} المراد بالأمثال، تعريفه جل وعلا بأن الجبال شديدة التعظيم للقرآن وأنها لو أنزل عليها هذا الكتاب الحكيم لخشعت وتصدعت خوفا ورهبة من الله {لعلهم يتفكرون} أي ليتفكروا في مثل هذه الأمثال فينيبوا إلى الله مذعنين منقادين.
قوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} الذي يخشع ويتصدع من خشيته الجبل هو الله المعبود الذي ليس من إله معبود سواه - وهو سبحانه الذي يعلم السر والعلن، ويعلم المستور والمشهود، {هو الرحمن الرحيم} الله رحيم بالخلق، عظيم الرحمة بعباده المؤمنين وهو سبحانه رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
قوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} هذه جملة من أسماء الله الحسنى - فهو الله الذي لا معبود سواه وهو، {الملك} أي المالك كل شيء ودونه الملوك والجبابرة، {القدوس} أي المبارك، الطاهر، {السلام} السالم من كل النقائص والعيوب - أو الذي سلم الخلق من ظلمه، {المؤمن} الذي يؤمّن المؤمنين من العذاب ويؤمّن خلقه من الظلم، {المهيمن} الشهيد على عباده بأعمالهم أو الرقيب عليهم، {العزيز} أي القوي الذي لا يغلب {الجبار} أي ذو الجبروت والعظمة - أو الذي يجبر خلقه على ما يشاء {المتكبر} الذي لا تنبغي الكبرياء لأحد غيره {سبحان الله عما يشركون} ينزه الله نفسه عن شرك المشركين.
قوله: {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى} الخالق، من الخلق ومعناه التقدير 16 فالله الذي يقدر الأشياء على نحو ما يشاء - وهو سبحانه {البارئ} يعني المنشئ الموجد - وهو {المصور} من التصوير وهو التخطيط والتشكيل - فالمصور الذي يجعل صور الخلق على هيئات مختلفة، {له الأسماء الحسنى} وهي الأسماء التي سمى الله بها نفسه - وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن لله تسعا وتسعين اسما، مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة - وهو وتر يحب الوتر".