قوله: {ولسانا وشفتين} خلق الله للإنسان وسيلة للكلام والتعبير عما في نفسه من مقاصد وعما في ذهنه من أفكار - وذلكم هو اللسان الناطق، وسيلة التخاطب والتفاهم - إلى غير ذلك من منافع اللسان كالقدرة على الأكل وتمييز الطّعوم من عذوبة وملوحة ومرارة {وشفتين} وهما وسيلتان عظيمتان للكلام والطعام والشراب والستر، فضلا عما تضفيانه على الإنسان من جمال الهيئة والصورة.
قوله: {وهديناه النّجدين} هدى الله الإنسان النجدين - وهما طريق الخير وطريق الشر - فقد بيّن الله للإنسان هذين السبيلين تبيينا كاملا مستفيضا لا لبس فيه ولا نقص، وبيّن له أن أول هذين السبيلين يفضي إلى الجنة حيث النجاة والسعادة، وأن ثانيهما يفضي إلى النار حيث العذاب والنكال - وذلك كله بعد أن بثّ الله في الإنسان استعداده لفعل الخير والشر وقد حرّضه على فعل الخير تحريضا، وحذره من فعل الشر تحذيرا - وفوق ذلك كله فإن الله جل وعلا قد أودع الإنسان خصائص كبريات - أولها العقل المميز الممحّص الرادع، وغير ذلك من خصائص الحياء والمروءة والرأفة والشفقة والضمير الحافز المبكّت، اللوام - كل أولئك أسباب عظيمة للتحريض على فعل الخير، واختيار طريقه، ومجانبة الشر وفعله - وليس على الله لأحد بعد ذلك من حجة - فإن جنح الإنسان بعد ذلك كله للشر فلا يلومنّ إلا نفسه.
قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة 11 وما أدراك ما العقبة 12 فكّ رقبة 13 أو إطعام في يوم ذي مسغبة 14 يتيما ذا مقربة 15 أو مسكينا ذا متربة 16 ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصو بالمرحمة 17 أولئك أصحاب الميمنة 18 والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة 19 عليهم نار موصدة}
العقبة في اللغة، مرتقى صعب من الجبال 1 والمعنى أن الإنسان المفرط لم يسلك طريق الخير والنجاة ولم يشكر الله بما أنعم عليه من جزيل الأيادي - باقتحام العقبة وهو الدخول في شدائد الأمور ومجاوزتها.
قوله: {وما أدراك ما العقبة} جملة اعتراضية
والإستفهام على وجه التعظيم للعقبة واقتحامها يعني وما اقتحام العقبة - فإن اقتحامها
صعب على النفس، وجزاء اقتحامها عند الله كبير،
ثم فسر اقتحام العقبة بقوله: {فكّ رقبة} .
قوله: {فكّ رقبة} أي تخليص الرقبة من الرق وبذل الإعانة للرقيق في مال الكتابة - وثمة أخبار كثيرة في التخضيض على إعتاق الرقيق - منها ما أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضوا بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة".
وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار"وفي رواية عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار".
قوله: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} المسغبة، المجاعة يقال سغب أي جاع
والمراد أن من جملة اقتحام العقبة وهي المشقة ومجاهدة النفس،
إطعام المفتقرين الجياع في الأيام التي يعزّ فيها الطعام ويعم فيها الجوع.