إن النصارى في العصور الوسطى كانوا وما فتئوا في زماننا هذا يناصبون المسلمين العداء فيبادرونهم التقتيل والتشريد والاستئصال - لقد ساموا المسلمين في مختلف البلدان الويلات وأذاقوهم أشد ألوان التنكيل والبطش ليدمروهم تدميرا - وخطب الأندلس المذهل أعظم شاهد من شواهد الويل والثبور والمرارة على ما حاق بالمسلمين على أيدي الصليبيين الحاقدين - إلى غير ذلك من صور الاستعمار البغيض المشؤوم الذي أذاق المسلمين كؤوس العذاب والهوان والقهر ما يتجاوز كل حسبان - هؤلاء هم نصارى الأناجيل المحرفة، من شعوب الظلم والعدوان الصارخ على المسلمين والنصارى الذين تتبرأ منهم المسيحية السمحة ويتبرأ منهم النبي الطهور عليه السلام - خلافا للفئة الطيبة المحدودة من نصارى الحبشة الذين استجابوا لنداء الحق، خير استجابة - وذلك لما سمعوا القرآن.
قوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا بسبب أن {منهم قسيسين ورهبانا} والقسيسون هم علماء النصارى ورؤساؤهم، ومفرد القسيسين، قس - والرهبان جمع راهب، من الرهبنة والرهبانية، والترهيب بمعنى التعبد في صومعة - وأصله من الرهبة وهي المخافة - وفي الحديث"لا رهبانية في الإسلام"وأصلها من الرهبة وهي الخوف - والمراد بها التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها واعتزال أهلها - قوله: {وأنهم لا يستكبرون} أي وبأنهم لا يستنكفون عن الانقياد للحق إذا استمعوا إليه ووعوه.
قوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} الجملة معطوفة على قوله: {لا يستكبرون} أي وبسبب أنهم إذا سمعوا القرآن تفيض أعينهم بالدمع - وذلك لرقة قلوبهم وشدة خوفهم من الله ومسارعتهم إلى قبول الحق إذا سمعوه - والمراد بهم الذين قالوا إنا نصارى - وهم الذين جاءوا من الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وكذا من كانوا على شاكلتهم من النصارى غير الضالين المشركين الذين اتخذوا المسيح إلها - فهم العابدون لله على المسيحية السليمة المبرأة من التحريف والذين يبادرون الانقياد لله والإذعان لما جاء به القرآن الحكيم - وهو تأويل {مما عرفوا من الحق} أي أن فيض دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم لهو من كتاب الله الذي أنزله على رسوله وأنه حق - وقيل: مما عندهم من عرفان بالبشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بهم النجاشي وأصحابه من الموحدين العابدين لله على المسيحية الصحيحة، وهذا ما بيناه آنفا.
قوله: {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} الجملة {يقولون} في محل نصب على الحال من ضمير {عرفوا} أي هؤلاء الذين تفيض أعينهم دمعا لما أيقنوا أنه حق، يقولون يا ربنا صدقنا ما سمعنا وهو الذي أنزلته على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأقررنا به أنه من عندك وأنه حق لا ريب فيه {فاكتبنا مع الشاهدين} أي اكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم.