وقد شرع الإسلام من أجل ذلك حكمين - أحدهما يفيد الوجوب المفروض وثانيهما يفيد المندوب المستحب، وفي كلا الحكمين يكون المعتق مأجورا و له من ربه كبير المثوبة - أما حكم الوجوب المفروض فهو منتشر في جوانب شتى من السلوك والتصرفات التي تتعلق بمخالفات يرتكبها الناس في حياتهم كلما زلوا أو أخطأوا.
ومن جملة ذلك القتل الخطأ والحنث باليمين والظهار والجماع حال الصيام وغير ذلك من المخالفات - فإن من يجترح شيئا من ذلك فقد بات لزاما عليه أن يعتق رقبة.
أما حكم المندوب المستحب فهو ينتشر في كل جوانب الحياة بغير حدود - وهو حكم لا يتجاوز حد الندب والاستحباب وقد أهاب الإسلام بالمسلمين جميعا أن يسخوا في همة وتضحية في العتق - لقد هتف الإسلام بالمسلمين هتافا حانيا مؤثرا يخاطب الحس والوجدان، وينفذ إلى القلب في صميمه كيما يسارعوا في نخوة عارمة لا تتردد من أجل تحرير العبيد - وقد استجاب المسلمون في مختلف الأزمنة والأمكنة لنداء الإسلام بالتحرير حتى كان الناس يتسابقون في سخاء وشهامة رفيعة على الإعتاق عن طيب خاطر - فكانت ظاهرة العتق للعبيد مثار اهتمام المسلمين واستباقهم المتزاحم على التحرير.
بمثل هذا التشريع يتبدد نظام الرق ويذوي ليتلاش رويدا رويدا - وتبعا لذلك فلسوف تنتهي مسألة الإماء أو الجواري - وهي مسألة لصيقة بنظام الرق أصلا - وليس بعد ذلك لمتحذلق مغرض أن يطعن في الإسلام طعنا يصمه بالكفر أو الردة ولا يجترئ على مثل هذا الطعن الغادر إلا معتد خصيم أو جاهل يلغط في نعيق كنعيق الغربان.
إن الإسلام فوق كل شبهة، وهو يسمو على الطعون لو قدّر لبني ادم أن يقفوا عل هذا الدين في تشريعه وتصوره وفكره - وأن يعوه في تدبر وتبصر بعيدا عن التعصب والحقد والجهل.
وقوله: (ذلك أدنى ألا تعولوا) تعولوا من العول وهو الميل والجور والمعنى: أن الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت أيمانكم أقرب إلى أن لا تميلوا عن الحق والعدل فتحيفوا وتظلموا - نقول: عال الميزان عولا إذا مال - وعال الحاكم في حكمه إذا جار - وقيل: تعولوا من العيلة وهي الفقر - مصدر عال يعيل فهو عائل أي فقير، والجمع عالة - وقال الإمام الشافعي في تأويل (ألا تعولوا) : ألا تكثر عيالكم 8.
قوله تعالى: (وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) .
الصدقات مفردها صدُقة بضم الدال، وهي المهر يعطي للمرأة حال الزواج، 9 ونحلة بمعنى عطية أي أن الله هو الذي أعطى النساء مهورهن - وقيل: نحلة معناها عن طيب نفس وبغير نزاع - وقيل: نحلة تعني: فريضة واجبة - 10