فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 2536

وهذان صنفان من المال تهوي إليهما النفوس؛ لما فيهما من استدرار للخير المستفاد من الأنعام من حيث لحومها وألبانها وأشعارها وجلودها وغير ذلك من وجوه المنافع الحيوانية - وكذلك الحرث حيث الأرض وما يستفيض فيها من خيرات ومذخورات وكنوز، ما بين زروع وثمار ومياه ومعادن ونحو ذلك من أصناف المنافع - كل أولئك مجتمع في العبارة القرآنية الوجيزة المعبرة (والأنعام والحرث) .

وفي جملة هذه الأصناف من ضروب المتاع الزائل قال القرطبي: قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق 40.

قوله: (ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) الإشارة هنا إلى ما ذكر في الآية من وجوه المنافع والزينة وغير ذلك من أصناف المباهج والخيرات الزائلة مما يؤول إلى الزوال والفناء لا محالة - إن ذلك كله (متاع الحياة الدنيا) والمتاع معناه المنفعة والسلعة والأداة وما تمتعت به من الحوائج 41 - لكن ما عند الله خير وأدوم وأبقى (والله عنده حسن المآب) أي المرجع والنعيم المقيم المستديم - ما من متاع في هذه الدنيا إلا ومصيره الزوال القريب، وما يكاد المرء يمارس استمتاعه بمنافع هذه الحياة- على اختلاف هذه المنافع وتفاوتها حتى يجد نفسه قد فرغ منها في عجل من حيث يدري أو لا يدري، وما تمر الأيام أو السنون حتى تنطوي بالمرء صفحات العمر وهو يظن أنه على شيء، ثم تفجأه صرعة الموت الداهم ليستيقن- في حقيقة لا ريب فيها- أنه فارق كل متاع وأنه لم يجن من دنياه ومآله وتطلعاته غير الندامة والإياس المطبق - وهناك الخسران والثبور!.

قوله تعالى: (قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) الهمزة الأولى في قوله: (أؤنبئكم) تفيد الاستفهام، والمعنى هل أنبئكم بخير من ذلكم؟ أي مما ذكر من وجوه المتاع والزينة في هذه الحياة الصائرة إلى الزوال - والجواب (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) الجنات جمع ومفرده الجنة - وهي في لغة العرب تعني البستان 42 - وذلك الذي يستطيع الحس البشري أن يتصوره عن معنى البستان حيث الأشجار الكثيفة بأغصانها وأوراقها وجذوعها وثمارها وظلالها، لكن ذلك يظل في مقياس هذه الدنيا قاصرا وهينا ومحدودا - بل إنه غاية في الهوان والبساطة بقدر ما تقوم عليه الحياة كلها من محقرات وصغائر أجل إن الجنة في مفهومها الدنيوي وفي حس الإنسان وتصوره ليست غير لعقة من زبد مهين - زبد يمر ويتبدد بلا حساب - أو ينقشع انقشاع السراب من على سطح القفار والمفاوز.

قال ابن كثير في بيان الجنات التي تجري من تحتها الأنهار: أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء - وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

قوله: (خالدين فيها) أي ماكثين فيها أبدا الآباد من غير خروج منها ولا تحول عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت