هذه حقيقة مقدرة ومحسوبة، حقيقة قد راعاها الإسلام وحسب لها من التشريع ما يكافؤها من الاهتمام والحرص والرعاية، وذلك بتشريع النكاح - هذا العقد المبارك المقدس الذي يصون للأزواج طبائعهم ونفوسهم؛ كما تظل مرتاحة مطمئنة لا يعتورها خلل، ولا قلق ولا إرهاق، ويصون للأسر والبيوت حسن العيش في ود ومرحمة من غير شقاق ولا نزاع ولا فوضى، ويصون للمجتمع كله أمنه واستقراره فيظل شامخ البنيان مستديم الصيانة والصلابة والائتلاف.
وكذلك حب الشهوة من (البنين) وواحده ابن، والإنسان مفطور على حب الذرية والنسل، لا جرم أن هؤلاء أقرب الخليقة إلى قلب الآباء والأمهات وهم الأصول؛ لأن الولد فرع الأصل، بل هو بضعة منه وجزء أساسي أصيل منبثق عن كيانه وبذلك فإن الآباء والأمهات لشدّ ما يكون حبهم وتعلقهم بأولادهم عظينا وغامرا.
على أن البنين خاصة تزداد الرغبة لدى الأصول في إنجابهم لإحساسهم المستكن أن ذريتهم من البنين والحفدة هم خير معوان لهم في رحلة العمر هائلة.
وكذلك حب الشهوة من (القناطر المقنطرة من الذهب والفضة) يراد بالقناطر المقنطرة - في الجملة- المال الكثير يتوثق به الإنسان في دفع أصناف النوائب - وهو قول الرازي.
أما الذهب والفضة فهما معيار الثمنية للأشياء كلها - قال الرازي في ذلك: الذهب والفضة إنما كانا محبوبين؛ لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة الكمال، والكمال محبوب لذاته - فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب، لا جرم كانا محبوبين 36.
وحب الإنسان للمال حقيقة لا شك فيها - حقيقة تعترف بها الوقائع والاستقراءات المحسوسة التي تشهد على تشبث الإنسان المشبوب بالمال، إن حب المال يكاد يستحوذ كليا على قلب الإنسان وأعصابه وتفكيره إلا أن يستعصم بأهذاب العقيدة والتقوى ليتحرر من طوق هذه الشهوة الغلابة الجامحة.
وليت شعري هل ينجو من أسر هذه الشهوة الطاغية المستحوذة إلا القليل القليل من بني البشر - أولئك الذين استعلت طبائعهم وكراماتهم على المال بكل صوره وأصنافه ما بين ذهب ونقود مختلفة الأنواع والأشكال - نقود مرصودة في صنادق السحت والشنار داخل المصارف الربوية.
وكذلك حب الشهوة من (الخيل المسومة) الخيل اسم جمع ليس له واحد من لفظه، واحده فرس كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحو ذلك - والخيل مؤنثة، وسميت خيلا لاختيالها وهو إعجابها بنفسها مرحا - ومنه يقال: اختال الرجل - وبه خيلاء وهو الكبر والإعجاب 37 - والمسومة بمعنى الراعية - يقال: أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي - وقيل: الراعية المطهمة الحسان 38 وهذه صنف من المال محبب للنفس ومرغوب في اقتنائه، تحصيلا لاشتهاء النفس لمثل هذا المتاع - وهو واحد من زخارف الدنيا يجد فيها الرجال حظهم من المفاخرة والتلذذ بالمرح والاختيال.
وكذلك حب الشهوة من (الأنعام والحرث) الأنعام جمع ومفرده نعم بالفتح، وهي الإبل والبقر والغنم، ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم، إلا للإبل خاصة فإنها فلبت عليها - والحرث معناه الزرع - والمراد به في الآية اسم لكل ما يحرث وهو مصدر سمي به - نقول: حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة 39.