فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 2536

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك"مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقارض من نار، قلت من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم - 39"

وأخرج أحمد كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم"يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتتدلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"- 40

وعنه صلى الله عليه وسلم:"إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء وبذلك فإن كلمات الله تندد أشد تنديد بالذين يقولون ما لا يفعلون، أو الذين يخالفون عما يأمرون به غيرهم، أو الذين لا يأتمرون بما يدعون الناس إليه أو يحذرونهم منه، وذلك خلق الفاسدين الجبناء من الناس الذين يقفون في خط النفاق ليكونوا في الأذلين مع الأشرار والتعساء والمعذبين يوم يقوم الناس لرب العالمين."

وتنديد القرآن بهذا الصنف الخسيس من البشر يظل قائما لا يبرح الأرض لأن الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه كثيرون، وهم لا يخلوا منهم مجتمع من المجتمعات، على أن هذا الخلق الذميم كان مركوزا على نحو واضح مستبين في بني إسرائيل، وذلك مما يمكن الوقوف عليه من خلال الكلمات الربانية في القرآن الحكيم، والتي تكشف عن إغراق أولئك الناس في الخسة والنفاق وهم يقولون ما لا يفعلون.

قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) - الصبر في اللغة معناه الحبس، نقول مات فلان صبرا أي حبس فظل كذلك حتى مات، ونقول عن كل ذي روح، قتل صبرا، بمعنى أنه أمسك وشد في الوثاق حتى يقتل، وعلى هذا فإن المقصود بالصبر في نظر الشرع هو حبس النفس على طاعة الله والتزامها بما شرع للناس في الدين.

وذلك يؤول بدوره الى الامساك عن المعصية وكل ما نهي الله عنه من محظور - وكذلك فإن الصبر على البلاء وما يمتحن الله به عباده في الدنيا لهو من باب الصبر الذي تنحبس معه النفس عن السخط من تقدير الله أو التبرم مما قضى وحكم، واصطبار النفس عند الشدائد يدخل الصابر في الطائعين أو الممتنعين من ارتكاب المعاصي.

ولا ريب في أن الصبر ذو شأن عظيم وهو في ميزان الله له من بالغ الحظ والاعتبار ما يجعله درجة عالية من درجات العبادة التي يقترب بها المرء من الله، وفي ذلك قوله سبحانه: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (وبقول سبحانه في آيات قلائل مبدوءة بقسم رباني يهز النفس من الأعماق:(والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .

ومن أعظم ما يجيء في السنة حول الصبر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"الصبر شطر الإيمان"- 41

وضروب الصبر في الطاعة كثيرة، ومن جملة ذلك أن يصطبر المؤمن على كل وجوه الطاعة كالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين وغير ذلك، فإن مثل هذه الأمور تتطلب من المؤمن أن يتحلى بالصبر دائما، ليقوى على الاضطلاع هذه الفرائض الكبيرة وغيرها من فرائض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت