قوله: {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} اللام في قوله: {لئن} موطئة لقسن محذوف - وجوابه {إنكم إذا لخاسرون} واللام في {لخاسرون} للتوكيد في خبر إن - ذلك إخبار من الله عز وجل عن مقالة هذه الزمرة الضالة المضلة من قوم شعيب الذين حذروا قومهم من الإيمان بنبي الله، وخوفوهم من تصديقه واتباعه فيما جاءهم به من عند الله - لقد خوفوهم بما ينفرهم من دين الله تنفيرا - وذلك بمختلف الأسباب والوسائل التي تفتنهم عن اتباع الإسلام وتزجرهم عنه زجرا لتميل بهم عنه إلى الشر والفساد - وكذلك صنع الطغاة من قوم شعيب؛ إذ خوفوا الناس من عواقب الإيمان بدين الله الحق - وقالوا لهم على سبيل الفتنة والإغواء والتنذير {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} أي مغبونون 135.
وقيل: عجزة - وقيل: أرادوا بذلك خسرانهم بسبب إيفاء الكيل والميزان وترك التطفيف - والأظهر عموم ذلك.
قوله: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} لقد أخذوا بالرجفة وهي الزلزلة 136 - فدمر الله عليهم بذلك شر تدمير؛ فباتوا في ديارهم صرعى - لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم لصوقا، يشير إلى فظاعة التنكيل والعقاب في هذه الدنيا لما كانوا عليه من الجحود والاستكبار عن دين الله.
قوله: {الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} .
اسم الموصول الأول في محل رفع مبتدأ، وخبره {كأن لم يغنوا فيها} 137 ويغنوا: يقيموا - غني بالمكان؛ أي أقام به - والغاني يعني النازل - والمغنى المنزل - وجمعه المعاني وهي المنازل أو المواضع التي يقام فيها 138، وهذا بيان مثير، ينشر في النفس مزيجا من الخوف والتحسر والأسى لحال الكافرين من قوم شعيب، هؤلاء الذين أقاموا في نعيم من العيش الرخي، لكنهم طغوا واستكبروا وأبوا إلا الكفر والفساد في الأرض؛ فأخذهم الله نكال جحودهم وعصيانهم شر أخذة - أخذهم بالزلزلة الماحقة التي تقطع القلوب تقطيعا وتمزق الأجساد تمزيقا، فقطع دابر القوم واستؤصلت كأنهم لم يكونوا ولم يقيموا في موطنهم.
ثم كرر على سبيل التأكيد والمبالغة في التحسير والتخويف {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} {هم} ضمير فصل - {الخاسرين} خبر كانوا، أي أن الذين كذبوا نبيهم شعيبا هم الذين خسروا أنفسهم؛ إذ أوردوها النار وبئس المورود، وليس كما زعموا من قبل أن الذين يتبعون شعيبا خاسرون.
قوله: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين} حين نزل العذاب بقوم شعيب خرج شعيب من بين أظهرهم وقد أخذته غاشية من الحزن على قومه المعذبين لما حل بهم من البلاء المدمر الماحق - ثم أخذ شعيب يعزي نفسه ليكفكف عن نفسه الحزن وهو يقول: يا قوم لقد بالغت في لإنذار والنصح لكم والإشفاق عليكم فأبلغتكم ما بعثني به ربي إليكم من دعوتكم للإيمان والتوحيد والانزجار عنا نهاكم عنه من المعاصي والخطايا، لكنكم جحدتم واستكبرتم فكان جزاؤكم العذاب والاستئصال فكيف أحزن عليكم لما أصابكم وأنتم له مستحقون؟! 139