فهرس الكتاب
قوله: {آلان وقد عصيت} أي، أتؤمن الآن في قوت الاضطراب والإياس حين أدركك الغرق، وأيقنت أنك هالك فأيست من نفسك ولم يبق لك اختيار وقد عصيت قبل ذلك طيلة عمرك وكنت من المفسدين في الأرض - وجملة {ألان وقد عصيت قبل} في محل نصب على الحال - والمراد التوبيخ والتقريع.
قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} لما أعلك الله فرعون بالغرق كذبت بنو إسرائيل مهلكه ولم يطيقوا التصديق بأنه مات غرقا، فأراهم الله جسده ملقى على الأرض وقد رمي به البحر على الساحل لينظروا إليه رأي العين، فأيقنوا أنه فارق الدنيا.
قوله: {لتكون لمن خلفك آية} أي تكون لمن يأتي بعدك من القرون عبرة يعتبرون بها فلا يجترئون مثلما اجترأت عليه من العتو والكبرياء والطغيان.
ومن أعجب الظواهر المستفاد من تنجية بدون فرعون ليكون عبرة للمعتبرين أن جسده محفوظ في أرض مصر حتى الساعة ينظر إليه الزائرون والقاصدون من كل بقاع الأرض ليروا جسده المسجى كله، ولعل ذلك من جملة التنجية لبدن فرعون فيكون آية جلية تتحدث بها جيلا بعد جيل.
قوله: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} أي معرضون ساهون عن التفكير في آيات الله وعما بينه في الخلق من دلائل وبراهين وحجج 98.
قوله تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ذلك إخبار من الله عما أنعمه على بني إسرائيل من خيرات الدنيا وبركاتها وهو قوله: {بوأنا بن إسرائيل مبوأ صدق} أي أسكناهم مكانا كريما محمودا؛ إذ أنزلهم الله منزلا صالحا فيه من الأمن والرضى والاستقرار - وهو مصر والشام؛ فقد أهلك الله فرعون ودمر عليه وقومه تدميرا - وأورث بني إسرائيل ديارهم وأموالهم وما تركوه من جنات وخيرات وكنوز ومذخورات لا حصر لها فعاشوا في نعيم وبحبوحة ليس لهما نظير.
قوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} يعني: ما اختلفوا وتفرقت قلوبهم وأهواؤهم وتشبهت آراؤهم وفرقهم حتى جاءهم كتاب الله وهو التوراة، فاختلفوا فيها اختلافا كثيرا.
وقيل: المراد أن بني إسرائيل ما تختلفوا حتى جاءهم ما كانوا يعلمون ويقرأون خبره في كتابهم، وهو بعث رسول الله إلى الناس كافة؛ فقد كانوا قبل أن يبعث عليه الصلاة والسلام مجمعين على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار بصدق رسالته، ووجوب الإيمان به وتأييده من غير خلاف بينهم في هذه الحقيقة - فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وجحدوا وكذبوه وصدوا الناس عن دينه صدودا بمختلف الأساليب والأسباب.
قوله: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} الله يفصل بين هؤلاء المختلفين الذين اختلفوا في دينهم وما أنزل إليهم من ربهم، وما اختلفوا فيه من أمر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ صدقه قلة منهم وكذبه الأكثرون - يفصل بينهم يوم القيامة فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته 99.