فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 2536

قوله: (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) لكن، حرف استدراك - فقد ذكروا سبب ضلال هؤلاء المشركين، هو أنك يا ربنا متعتهم وآباءهم بالأموال والأولاد وأعطيتهم ما راموا من نعم الحياة الدنيا حتى أوغلوا في الشهوات والملذات فانشغلوا بذلك عن ذكر الله وعن منهجه ودينه (وكانوا قوما بورا) (بورا) - جمع بائر - وقيل: مصدر في الأصل، فيستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث - وهو من البوار ومعناه الهلاك - وقيل: من الفساد - وقال الحسن البصري: هو من قولهم: أرض بور؛ أي لا نبات بها - وهو يرجع إلى معنى الهلاك والفساد وهذه حقيقة المجرمين أولي الطبائع الملتوية، الذين فسدت فيهم الفطرة أيما فساد فباتوا لا يتقبلون الحق أو الصواب ولا يروق؛ لأنفسهم منهج الله المستقيم وإنما تروق لهم مناهج الباطل والضلال - مناهج الكفر والظلم والزيغ عن سواء السبيل - وأولئك هم الضالون الذين أعطيت فيهم النفس والفطرة فانقلبوا منكوبين بورا لا خير فيهم ولا يرتجى لهم الصلاح والسداد.

قوله: (فقد كذبوكم بما تقولون) وهذا من قول الله للمشركين موبخا لهم ومقرّعا؛ أي كذبكم الذين عبدتموهم من دون الله بقولكم إنهم أولياؤكم من دون الله، وإنهم يقربونكم إلى الله زلفى.

قوله: (ما تستطيعون صرفا ولا نصرا) أي فما تستطيعون بعد ذلك صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم.

قوله: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) الظلم معناه الشرك - وذلك وعيد من الله لمن يتلبس بشرك وهو أن يجعل المخلوق شريكا للخالق في العبادة - ومن فعل ذلك فقد باء بالعذاب الوجيع وهو الخلود في النار 11.

قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا(20) .

جملة (إلا أنهم ليأكلون) في محل نصب صفة لمفعول محذوف تقديره: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين - وقيل: الجملة في محل نصب على الحال - والتقدير: إلا وإنهم - فقدرت معها الواو بيانا للحالية.

وقد كسرت إن، لوجود اللم في خبرها 12.

وذلك احتجاج على المشركين الخاطئين بزعمهم أن الرسول لا يأكل كما يأكلون ولا يمشي في الأسواق متكسبا متجرا كما يمشون - وهو كذلك تسلية من الله لرسوله (ص) ؛ إذ يخبره أن النبيين الذين أرسلهم من قبله لهداية الناس ما كانوا إلا بشرا يأكلون الطعام كما يأكل الناس، ويمشون في الأسواق طلبا للرزق والمعاش كما يفعل الناس - فليس في ذلك ما يثير التعجب أو الاستهجان - فالنبيون من جنس البشر يأكلون كما يأكلون وينامون كما ينامون، ويموتون كما يموتون - لكنهم مع صفاتهم الآدمية هذه؛ فإنهم أناس أفذاذ مصطفون مميزون بخصائص جليلة فيها من عظيم السمات النفسية والروحية والخلقية ما لا يبلغ دون معشاره البشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت