قوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون 185 من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} أو لم ينظر هؤلاء المكذبون الجاحدون نظر استدلال وتدبر فيما يدل عليه هذا الملكوت وهو الملك العظيم الذي صنعه الله، وكذلك فيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف، ولعلهم يموتون قريبا؟ أو لم ينظروا في ذلك كله فيسارعوا إلى الإيمان وليبادروا للتصديق تنجيه لأنفسهم من الويل المنتظر؟!
قوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي بأي حديث أحق وأصدق من هذا القرآن يريدون أن يؤمنوا؟! هل من حديث أكرم وأطيب وأعظم وأطهر من كتاب الله الحكيم فيؤمنوا به ويصدقوه؟! إنه ليس في الكلام أيما كلام البتة خير وأصدق وأروع من القرآن - هذا الكلام الكريم المعجز الذي لا يضاهيه كلام ولا يدانيه خطاب، لا في روعة الجرس، ولا في جمال الأسلوب والصورة، ولا في حلاوة الإيقاع والنغم، ولا في رصانة الكلمات والعبارات، ولا في كمال المضامين والمعاني - فإذا لم يؤمن هؤلاء الجاحدون العصاة بهذا الكلام الرباني الفذ، فبأي كلام بعد ذلك يؤمنون؟!.
قوله: {من يضلل الله فلا هادي له} أي أن ضلال هؤلاء المكذبين ليس لا لعدم توفيق الله لهم؛ فقد آثروا المضي في طريق الشيطان والباطل فأضلهم الله - وإذا أضلهم الله فليس لهم غيره من أحد يهديهم - بل إن الله يدعهم في تماديهم في كفرهم يترددون؛ ليستحقوا بعد ذلك ما يجدونه أمامهم من سواء المصير في النار 256.
187 - (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)
قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولاكن أكثر الناس لا يعلمون 187 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}
جاء في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس قال: قال: حمل بن أبي قشير وشموال بن زيد من اليهود: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم متى هي، فأنزل الله هذه الآية - قال قتادة: فقالت قريش لمحمد: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الساعة} 257.
الكاف، في {يسألونك} في موضع مفعول به أول - و {عن الساعة} ، في موضع نصب مفعول به ثان - و {أيان مرساها} ، مبتدأ وخبر - {مرساها} ، مبتدأ و {أيان} ، خبره 258 - لقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين عن الساعة وذلك من باب الإحراج والتحدي والمكابرة إذ قالوا له {أيان مرساها} أي متى مثبتها ووقوعها - و {مرساها} بمعنى قيامها - من قول القائل: أرساها الله فهي مرساة - وأرساها القوم إذا حبسوها - ورست ترسو رسوا - فأجابهم أنها علمها مما استأثر الله به في علم الغيب عنده ولم يوقف عليه أحدا {لا يجليها لوقتها إلا هو} أي لا يظهرها في وقتها إلا هو سبحانه.