ثانيهما: أن يكون المعذر، بالتشديد، غير محق؛ لأنه ليس له عذر، أو هو الذي يعتذر بغي عذر - وعلى هذا فالمعذرون مبطلون؛ لأنهم اصطنعوا أعذرا لا أصل لها؛ فيكون المعنى: أن هؤلاء الأعراب 168 جاءوا بأعذارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محقين أو مبطلين -على الوجهين السابقين- لكي يأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف عن القتال {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} وهذه طائفة أخرى قعدوا عن الجهاد من غير أن يعتذروا، وهم منافقون من الأعراب قد كذبوا على الله ورسوله واعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل.
قوله: {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} وهذا وعيد من الله للمنافقين الجاحدين الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اصطنعوه من كاذب الأعذار - أو الذين قعدوا عن الجهاد دون اعتذار - لقد توعدهم الله جميعا بأليم العذاب في هذه الدنيا، بافتضاحهم وإيقاعهم في الخزي والذل - وكذلك في النار وبئس المصير والقرار 169.
قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم 91 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} هذا أصل في عدم التكليف في حق ذوي الأعذار من أهل الزمانة والهرم والمرض أو العاجزين عن السفر لسبب حقيقي معقول - أو الذين لا يملكون أهبة الجهاد من النفقة - ونحو ذلك من المعاذير المشروعة التي تحول بين المرء وفريضة الجهاد - وهذا مدلول من مدلولات الإسلام في مراعاته لقدرات البشر وإمكاناتهم المادية والجسدية والمعنوية، بعيدا عن التكليف بما لا يطاق - والأصل في ذلك كله أنه {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وعلى هذا فإنه ليس من إثم على الضعفاء ولا المرضى ولا الفقراء العالة الذين لا يجدون أهبة للجهاد - إنه ليس على هؤلاء المعذورين من بأس أو مساءلة في التخلف عن الجهاد لضعفهم وعجزهم عن القيام بهذا الواجب الكبير الذي لا يحتمله غير الأصحاء والأسوياء والقادرين من الناس.
قوله: {إذ نصحوا لله ورسوله} {نصحوا} من النصيحة، وهي قول فيه دعا إلى صلاح ونهي عن فساد - ومنه الناصح، وهو الخالص من كل شيء - نصح الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة؛ أي خلص - ونصح قلبه؛ أي خلا من الغش 170 - والمعنى المراد هنا: هو قبول الأعذار من هؤلاء المعذورين، ورفع الإثم عنهم لتخلفهم عن الجهاد على أن يلتزموا النصيحة لله ورسوله في مقابلة قعودهم، فإذا لبثوا في المدينة قاعدين أذاعوا في الناس الأخبار السارة، ونشروا في أوساطهم الأمن والطمأنينة، وبذلوا لهم من العون المعنوي ما يحول بينهم وبين الأراجيف وأخبار السوء.
قال الرازي في تأويل قوله: {إذا نصحوا لله ورسوله} : معناه: أنهم أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بان يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم؛ فغن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد 171.