قوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين 25 ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين 26 ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} ذلك تذكير بفضل الله على المؤمنين وإحسانه غليهم؛ إذ نصرهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وما كان ذلك عم كبير عدة أو كثرة عدد وإنما كان بتأييد الله وتقديره - وكان عدد المسلمين الذين جاءوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتحة لمكة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ومعه الذين أسلموا مع أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى العدو فاتلوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، حيث كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا والمشركون يبادرونهم الرشق بالنبال وإصلات السيوف، ففوجئ المسلمون بذلك أعظم مفاجأة؛ إذ أخذهم العدو على غرة فولوا مدبرين، فلم يغنهم جمعهم وكثرتهم شيئا، فهزموا وبلغت فلولهم مكة بعد أن أعجبتهم كثرتهم؛ فتملكهم الاغترار والإعجاب بالنفس وطنوا أنهم منصورون لا محالة ركونا إلى عددهم وكثرة جموعهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ظل صابرا ثابتا لا يتزحزح من أرض النزال ولم يبرح ساحة الوغي ومن حوله قلة من المسلمين منهم عمه العباس؛ إذ كان آخذا بلجام دابته، وآخرون من صناديد الصحابة الأبرار، وإذ ذاك ضاقت بهم الأرض على سعتها حتى ما يجد المسلمون موضعا يهربون إليه لفرط ما أصابهم من الرعب {ثم وليتم مدبرين} أي منهزمين - ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البقرة - فجعلوا يقولون: يا لبيك يا لبيك.
وانعطف الناس فترجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعت منهم شرذمة قليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم أن يصدقوا الحملة، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجتلد القوم فقال: (الآن حمي الوطيس) فكتب الله لهم النصر، وجعل الهزيمة والخزي على المشركين الظالمين.
قوله: {ثم أنزل الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين} أي بعد أن زلزل المسلمون لما أصابهم من هول المباغتة واشتداد الكرب، أنزل الله عليهم ما يسكنهم ويثبت قلبوهم بالرحمة والطمأنينة، فمكثوا ثابتين أشداء لا يروعهم الفزع ولا جموع المشركين.
قوله: {وأنزل جنودا لم تروها} أي أنزل الملائكة ليكونوا مع المؤمنين في ساحة القتال يشتدون أزرهم ويقوون من بأسهم وعزيمتهم، ويضعفون الكافرين بالتخذيل والتجبين من حيث لا يراهم أحد - وفي هذا الصدد قال الإمام أبو جعفر ابن جرير عن أبي جميلة الأعرابي قال: سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في أدبارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا بنا: (شاهت الوجوه، ارجعوا) فانهزمنا وركبوا أكتافا 44.