قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} أي ليس أحد أشد تلبسا بالظلم ممن وُعظ بآيات القرآن الكريم وما فيه من البينات والدلالات الواضحات التي تشهد بأن هذا الكتاب حق، وأنه منزل من عند الله، وأن فيه خير الدنيا والآخرة {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} بالرغم مما في آيات الله من وضوح البينات، ومن قاطع الحجج والبراهين، فقد أعرض هذا الخاسر عن آيات الله فلم يؤمن.
قوله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} الله منتقم من هؤلاء المجرمين المعرضين عن دين الله، الذين لم يتعظوا، ولم يؤثر فيهم التذكير بل لجوا مجرمين معاندين 10.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
أخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أتى نبيه وكليمه موسى عليه السلام {الْكِتَابَ} وهو التوراة، ليكون ذلك هداية لبني إسرائيل - ثم قال سبحانه مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: {فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} نهاه عن الشك في لقاء موسى التوراة، أو من لقائك موسى ليلة المعراج؛ فقد روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلْق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدجال"وهي آيات من آيات الله أراهن الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وقيل: المراد لقاؤه يوم القيامة.
قوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} الهاء في {وَجَعَلْنَاهُ} راجع إلى {الكتاب} وهي التوراة، فقد أنزلها الله على كليمه موسى هداية لقومه بني إسرائيل - وذلك بما تضمنته من آيات وبصائر لاستنقاذهم من الضلال والتخبط إلى نور الهداية والاستقامة.
قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} أي لما صبر المؤمنون من بني إسرائيل على أوامر الله والابتعاد عن زواجره ونواهيه، وصدّقوا رسله، واتبعوهم فيما جاءوهم به من عند ربهم، وكانوا موقنين بآيات الله على أنها حق وصدق، جعل الله منهم أئمة في العلم والتقوى، يهدون الناس إلى الحق بأمر الله ويدعونهم إلى ما تضمنته التوراة من البينات والشرائع والحكمة فيدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر - لكنهم لما بدلوا وزيفوا ما أنزل إلهم وحرفوه تحريفا، سلبهم الله مقام الإمامة للناس، وحيل بينهم وبين صلوحهم أن يُقتدى بهم؛ فهم أجدر أن لا يُقتدى بهم بعد التحريف وأن لا يكونوا موضع ثقة وائتمان في إمامة ولا ريادة ولا قيادة لأمة من الأمم - وذلك لفرط ما تلبسوا به من تحريف وتزييف لآيات الله، وتلاعب في كتابهم التوراة.