فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 2536

ذلك هو تأويل الاعتداء بالمثال الوارد في قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والعدوان على المعتدي هو بمثابة الجزاء على اعتدائه فلا مساغ بعد هذه الأدلة الظاهرة المتضافرة للقول بعدم القصاص في القتل بالمثقل ونحسب ان مثل هذا القول مرجوح، وأنه مدعاة لتفشي القتل ظلما ولاجتراء القتلة والمجرمين على القتل بغير حق - فإذا أيقن المجرمون القتلة أنه لا قصاص في القتل بالمثقل وأنه لا قصاص إلا ما كان بالحديد، عمدوا إلى القتل بغير وسيلة الحديد وذلك كالقتل تغريقا أو خنقا أو بالسم أو بالعصا أو التردية من مكان مرتفع.

قوله: (واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) تقوى الله طاعته عن رضى ويقين وامتثال أوامره جميعا وذلك باتباع ما أمر والانتهاء عما زجر - وإذا كان العباد على تلك الحال من التقوى فليعلموا أن الله معهم مؤيدهم ومثبتهم في هذه الدنيا، وهو كذلك منجيهم يوم القيامة.

قوله: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) جاء في سبب نزول هذه الآية ما ذكر عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعناه أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة - فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله (ص) وشهدنا معه المشاهدة ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه (ص) ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد قد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد 247.

وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وكثيرون غيرهما في معنى هذه الآية: المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل: ليس عندي ما أنفقه.

هذان قولان في سبب نزول هذه الآية من أقوال أخرى كثيرة ومتقاربة يفضي كلها إلى المقصود بإلقاء النفس في التهلكة، وهما ترك الجهاد والنفقة في سبيل الله - فلا يترك أحد الجهاد ولا يبخل في النفقة في وجوهها المشروعة إلا من أودى بنفسه في التهلكة وهي مصدر فعله هلك يهلك.

وثمة أمثلة نسوقها لنبين فيها حكم الشرع وذلك في ضوء هذه الآية التي تحذر من إلقاء النفس في التهلكة.

فقد اختلف أهل العلم في الرجل يقتحم الحرب ثم يحمل على العدو بمفرده.

والراجح في هذه المسألة أنه إذا كان يقصد بذلك طلب الشهادة وقد خلصت فيه النية لله فلا بأس عليه في ذلك وليس ذلك من التهلكة في شيء - يقول الله سبحانه: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) فذلك هو الذي يبيع نفسه طلبا لرضوان الله.

ولو حمل الرجل بمفرده على أعداد كثيرة من المحاربين أو اللصوص أو المشركين، فإن كان في حمله عليهم ما ينكّل بهم أو يحدث فيهم رجة نفسية واضطرابًا أو ثغرة ينفذ منها المسلمون إلى قلب العدو فذلك حسن وهو ضرب من الحماسة الشجاعة المندفعة التي يكتب الله به للمتحمس الشهادة إذا ما قُتل.

وكذلك لو حمل مسلم بمفرده على أعداد كثيرة من عساكر العدو في المعركة وهو ينبغي بذلك تجرئة المسلمين على الاندفاع في اقتحام هاجم، فضلا عن الترعيب الذي يحدثه في نفوس الأعداء فذلك حسن أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت