فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 2536

والمراد بنو إسرائيل؛ فقد قطع الله شملهم، وأذهب وحدتهم، وبدد شوكتهم، وجعلهم في الأرض جماعات متفرقين شتى حتى ما يكون من بقعة في الأرض إلا دخله قوم من اليهود في الغالب - وتلك ظاهرة خاصة ببني إسرائيل لم تشاركهم فيها أمة من الأمم - وفي ذلك من الدلالة الظاهرة ما يقطع بصدق كلمات الله في تفريق بني إسرائيل في الأرض أشتاتا نكالا من الله - بما عصوا وعتوا عن أمر بهم وعاثوا في البلاد فسادا وفتنة.

قوله: {منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} أي أن من بني إسرائيل الصاحين؛ وهم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وهم الذين يؤمنون بالله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد من رسله؛ فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم قلة - وهؤلاء هم مسلمة أهل الكتاب - {ومنهم دون ذلك} دون منصوب على الظرف 230؛ أي الكافرون منهم الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآذوا كثيرا من النبيين من قبله - وهؤلاء هم الأكثرون - قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} أي اختبرنا بني إسرائيل بالحسنات، كالرخاء والسعة وبسط الرزق والتمتع الراغد، واختبرناهم بالمصائب والرزايا في الأنفس والأموال والثمرات لعلهم ينزجرون ويثوبون إلى ربهم وينيبون إليه بالطاعة والامتثال والكف عن الجحود والعصيان والإفساد في الأرض.

169 - (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)

قوله: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه} الخلف، بفتحتين معناه البدل والعوض - والخلف بسكون اللام، معناه القرن من الناس - يقال: هؤلاء خلف سوء، لناس لاحقين بناس أكثر منهم - والخلف أيضا الرديء من القول - يقال: سكت ألفا ونطق خلفا - أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ 231 - والمقصود هو توبيخ اليهود؛ فقد تبدل من بعد السابقين الذين فيهم الصالحون والطالحون {خلف} أي بدل آخر لا يقال سوءا عن الفاسقين العصاة من أسلافهم - وهم بذلك لا خير فيهم البتة؛ فقد ورثوا الكتاب وهو التوراة؛ فعلموه وعرفوا ما فيه لكنهم خالفوا أحكامه وأوامره - وبذلك كانت الأحفاد والذراري بدل سوء عن الأسلاف السابقين في العصيان والاستكبار على شرائع الله - ثم أخبر الله عن هؤلاء الخلف أنهم {يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} أي يقبلون بنهم متجشع ما يعرض لهم من متاع الدنيا لفرط حبهم لها وحرصهم على الاستزادة من أموالها وعروضها سواء في ذلك الحلال أو الحرام - {ويقولون سيغفر لنا} فهم سادرون في إلحاح بالغ للأخذ من متاع الدنيا وزينتها بكل أسلوب من الأساليب سواء في ذلك الربا والرشى والابتزاز - واغتصاب الأموال من الآخرين بغير حق - وغير ذلك من أموال السحت ينتزعونها من الناس انتزاعا - ومع ذلك كله يزعمون أنهم لا جناح عليهم فيما يفعلونه فإنهم مغفور لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت